حزب الأصالة والمعاصرة واستراتيجية المستقبل

كشك | 12 أغسطس 2017 على 18:50 | آخر تحديث 14 أغسطس 2017


983

إن المرحلة الراهنة تستلزم تقديم جواب سياسي واضح قادر على إستعادة صفات الواقعية و المصداقية  ، فالتطلع لولوج عالم الدول الصاعدة يستوجب استيعاب أحداث اللحظة و فهم مغزاها بالدفع باستراتيجية حزبية تنطلق من عمق المجتمع قصد تنوير الحاضنة الشعبية للاختيار الديمقراطي، عوض التيهان في ثنايا أجوبة الماضي.لأن متطلبات الحاضر تفرض   تقديم برنامج حزبي متكامل يهم مسألة الحقوق الثقافية ، السياسية ، الاجتماعية والاقتصادية للمواطنات و المواطنين، وتوفير مقومات الحرية من أجل الإبداع الذي يخلق الثروة قبل التفكير في توزيعها العادل، وتقليص الفجوة بين فئات المجتمع، وإصلاح القطاع العام وتفعيل أدواره الاقتصادية، وتوفير فرص العمل للشباب، ومحاربة الفساد المالي والإداري، وانجاز الإنماء المتوازن للمناطق والجهات، ورفع التهميش والعزلة عن العالم القروي، وإعادة الاعتبار للقطاعات المنتجة (الصناعة ، الزراعة…) .

لذا يستمر أمل الشباب في مواكبة  حزب الأصالة و المعاصرة للزمن الدستوري المتقدم من خلال التحول نحو  استراتيجية  النضال الحداثي المتضامن ، المرتكزة على ضرورة العمل والتعبئة والانخراط الجماعي الفعال في الاختيار الديمقراطي الهادف لاستكمال بناء مغرب الوحدة و الإستقرار و الحداثة و التطور و الرفاه الاجتماعي ، مع مواصلة تدعيم وتحصين مكتسبات التجربة الديمقراطية المغربية وتنقيحها من الشوائب و تتبيث  تماسك بنيتها الاجتماعية والنضال من أجل تشبع ثقافتها وسلوكها بالقيم الكونية النبيلة .لا سيما وأن الارتقاء بالعمل السياسي نحو ديمقراطية سليمة لن يتم إلا بالإنسان المواطن ولمصلحة الإنسان المواطن.  فالدور المنوط بحزب الأصالة و المعاصرة  داخل هرم العملية الديمقراطية  يتجسد في خلق وتوفير فضاءات حرة ومسؤولة للتبادل والتأطير والالتزام ، فضاءات تسعى جاهدة لتجميع المواطنين والمواطنات وتدبير الاختلافات والتناقضات وإفراز التصورات والمشاريع السياسية ذات الارتباط القوي بالإنتظارات الوطنية الكبرى ، و التي تتجسد في ثلاثة محاور شاملة : التأويل الحداثي للدستور ، الجهوية المتضامنة و العدالة الاجتماعية.

و حيث أن ماهية أي حزب سياسي تنطلق من استحالة وجوده إلا كعنصر داخل نسق معين، قائم ومحدد ، وبالتالي فالانتماء الحزبي المنتج وجب أن يجسد تعبيرا حرا وذكيا قوامه الشراكة أساسه العمل وهدفه الإتقان. إنه إنتماء يقظ ومعبأ متفهم لتطور الفكر الإنساني وتجدده المستمر ، وهو كذلك  انتماء منفتح على ذاته وعلى الآخر ، غير خاضع للتنميط المحدد قبليا وإنما يأخذ شكل صيرورة تراكمية متواصلة ترتقي بمستوى المنتوج الحزبي  نحو الأفضل. إنه انتماء ناضج لا يدعي امتلاك الحقيقة ، مدرك لنسبية العقل وانعدام عصمته ، مستوعب لوجود الرأي المخالف الذي يبقى له الحق الكامل والحرية المضمونة في التفكير والتعبير . إنه إنتماء مثمر يتكل على القوة الذاتية الإبداعية التي لا تقف عاجزة مستسلمة أمام فزاعات الوهم ، اليأس ، الفشل ، الجمود والعدمية والتقليد .

هذه منطلقات  لا بد من الوعي بإلزاميتها قصد استكمال تفعيل الفكرة الحزبية الحديثة ، من أجل استراتيجية حزبية جديدة تحاول الانتقال من بنية تنظيمية متجاوزة إلى بنية  مؤسساتية منفتحة تشكل فضاءا خصبا للتفكير والمعرفة والإبداع ، بنية مرنة مسايرة للتحولات المتعددة الأبعاد التي يعرفها المجتمع المغربي ، بنية مستقطبة تحسن الإصغاء لنبض هذا المجتمع بشكل يترجم همومه وانشغالاته إلى مشاريع وحلول إجرائية واضحة المعالم والأفق ، إلى برامج قابلة للتطبيق . إنها استراتيجية تعتمد  التحول نحو فضاء سياسي معقلن يعتمد التنظيم الجهوي كبديل ناجع يقطع مع المركزية التنظيمية المتحجرة ، ويعزز نهج الإشراك والقرب من المواطنات و المواطنين، وذلك من خلال الاحتفاظ بالحزب كشخصية معنوية واحدة مع تمتيع الجهات الحزبية بالصلاحيات والاختصاصات التي تتناسب مع مجموع التنوع الثقافي والسوسيو_اقتصادي للجهات ، مما سيشكل حشدا حقيقيا للطاقات والمؤهلات ، وتجميعا تشاركيا تعدديا للأدوات والآليات ، وبالتالي تدبيرا ديمقراطيا للطموحات والاختلافات . إن مبدأ التجميع الجهوي يشكل وثبة نوعية نحو ترسيخ مفاهيم التخطيط والتحفيز و التدبير و الإشراك والمراقبة المرتكزة على إلزامية مأسسة العمل الحزبي مع عقلنة وضبط الوظائف السياسية والتنظيمية بين مكوناته ، وتعزيز قدراته التواصلية و تحسين عملية التسويق السياسي والانتشارالأفقي الواسع.

إن استراتيجية النضال الحداثي المتضامن تنهل من تعاقد حزبي سليم يتسم بحرية الاختيار ، يعتمد على عملية المعرفة والاجتهاد ، ينبني على الالتزام المسؤول والشجاعة والمحاسبة والمكاشفة ، ويحسم بشكل قاطع مع مظاهر التسيب والسلبية والتزمت والانغلاق و العدمية و الاسترزاق . كما أن هذه الاستراتيجية تسمو بمدلولها  الإنساني النبيل الذي يتخلى عن الاتكالية المقيتة والفردانية الأنانية لينصهر في ضمير جمعي واحد قصد استكمال بناء إطار سياسي حداثي  قوي هدفه التأهيل السياسي الصالح ، و ذاك ما سيجعل من شباب حزب الأصالة و المعاصرة  : جيل المستقبل  ، جيل الارتقاء نحو حياة أفضل ، جيل تواق للحرية و المحاسبة مسعاه تحويل الإحباط و الفشل و الألم إلى دافعة نفسية إيجابية نحو سبيل الابداع  الإنساني المتنور. إن القلوب المبصرة واعية بالمصير المشترك ، كما أن العقول المجتهدة تظل باحثة عن سبيل الخلاص السياسي ، و يبقى التاريخ ذاكرة  تختزن سجلات تجارب إنسانية منها ما تطاله فيروسات التحريف و منها ما هو محفوظ. ، و يبقى التاريخ  شاهدا على وثبة حداثية لجيل مبادر من أجل مغرب صاعد.

إن التأويل السياسي الخرافي  يقود الإنسان بشكل مباشر إلى جمود  ” العقل”  لأنه تأويل حزبي غير قائم على المعرفة لم يأخذ بالأسباب و لم يستجلب الإنسان بالمواطنة  . لذا وجب على حزب ” الأصالة و المعاصرة ”  الانخراط الشجاع و المثمر في  تغيير وضع لم يعد مقبولا استمراره ، فقد آن الأوان للنضال الذكي من أجل أن تتحول  السياسة نحو خدمة الوطن و المواطن  بالتدبير الحداثي الديمقراطي  للشأن العام  القمين بإحقاق الصعود المنشود.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية