أنوال: معركة الكرامة التي أطاحت بقلاع الاسبان في الريف

كشك | 22 يوليو 2017 على 19:32 | آخر تحديث 22 يوليو 2017


95

كل عام، وفي الـ 21 من يوليوز يستحضر المغاربة ذكرى مجيدة، توارثها الآباء عن الأجداد، تروي قصصاً بطولية عن أبطال من ريف المغرب، وقفوا بصدور مُشرعة يملأها الإيمان وحب الوطن، مُسترخصين أنفسهم ومتاعهم، في وجه عدو إغتصب الأرض.. والأمنيات، عدو لم يترك من شجرة الأحلام النظرة، سوى عروش نخرة باعثة للكآبة. لما ضاق الناس بهذا الحال، ترعرع غضب خفي في الأنفس، سرعان ما أججته همة رجل أتى من عمق الجبل، فهناك بقرية “أجدير” كان ميلاده، قبل أن يشب على الأنفة وحب الوطن. “عبد الكريم الخطابي” المثقف الثائر، الذي خلدته الذاكرة بدخوله في حرب غير متكافئة مع عدو أكبر وأعظم تسليحاً، قبل  أن يجره إلى معركة عظيمة غيرت تاريخ المغرب في حربه ضد الإستعمار، إنها معركة”أنوال” المجيدة.

بداية حرب

“عبد الكريم الخطابي”، الذي عاين الإسبان في مدينة مليلية لسنوات بحُكم عمله هناك، كان من الأوائل الذين فطنوا إلى الأطماع التوسعية للجارة إسبانيا. حارب بداية بقوة الكلمة وبلاغة اللسان، قبل أن يعمد إلى حمل السلاح حين كسب ثقة سكان الريف برمته. في أوائل سنة 1920 بدأ النزاع بين الفرقاء بمناوشات متفرقة، سرعان ما استفحل إلى حرب شاملة أرخت جناحها على الريف بطوله. حقق الإسبان انتصارات صغيرة في مناطق”الدريوش”و “بويميان”، قبل أن يحطوا الرحال بمنطقة “أنوال”، وفي غمرة انشغالهم بالتخطيط لخطوات قادمة، انقض عليهم جيش الريف على حين غرة، ليُشعلوا بذلك أوار معركة كانت الأقوى في تاريخ المغرب.

معركة أنوال

لم يسجل تاريخ أية مقاومة مسلحة في أي بلد ،ولا في أي وقت من الأوقات، انتصاراً باهراً يماثل ما أحرزه مجاهدو الريف ضد إسبانيا في معركة أنوال الفاصلة. ألف جندي مغربي كان لهم موعد مع المجد في مواجهة جيش لا يقل عدده عن 30 ألف جندي. ففي الـ 31 من شهر ماي 1921،  اتخذ الجنرال”سيلفستري” الترتيبات اللازمة استعداداً للزحف نحو مركز “ظهر أبران” بقبيلة “تمسمان”، وفي يونيو خرجت من أنوال القوات الأسبانية متوجهة نحو المركز ليكونوا قريبين الجبال التي يرابط فيها الخطابي ورجاله، وهناك تركوا حامية مؤلفة من 300 جندي، قبل أن يعودوا أدراجهم إلى أنوال في انتظار أوامر من مدريد. تربص المجاهدون بحامية (ظهر أبران) القليلة العدد لأيام، قبل أن يقتحموها ليمعنوا في جنودها تقتيلاً  إلا عدداً قليلاً استطاع الهروب، و يستولوا على عتاد حربي بالغ القيمة من مدافع ومئات البنادق وأكياس البارود. وقد أكدت الصحافة الإسبانية آنذاك”أن معلومات مُستقاة من الجنود الإسبان الفارين من مذبحة “ظهر أبران” قد أكدت أن الخطابي نفسه كان يقود عصبة المجاهدين الذين أغارت على الحامية، وأنهم قد باغتوهم كالأشباح في جنح الظلام”.

هزيمة

بعد الهزيمة في “ظهر أبران”، خشي الجنرال “سيلفستري” أن يتوالى سقوط قلاع المستعمر الاسباني في المنطقة، فتقدم مباشرة نحو موقع أنوال للسيطرة عليه رغم تحذيرات إدارته بمليلية، ليشتبك هناك في معركة حامية دامت 5 أيام، وشارك فيها بـ 25 ألفاً من جنوده، التحموا مع ألفين من المجاهدين، التحق بهم الخطابي و 1500 من رجاله يوم 21 يونيو 1921، انتهت بانتحار “سلفستري” وتراجع جيشه، الذي  خاض ضده الخطابي بعد ذلك حصاراً خانقاً في منطقة “إغريبن”، ليمنع عليه الإمدادات والتموينات، فضلاً عن حرمانه من مصدر المياه بمنطقة “عين عبد الرحمن” بـ”وادي الحمام ، حيث استبد العطش بالجنود الاسبان، إلى درجة “اضطرارهم إلى شرب عصير التوابل وماء العطر والمداد، ولعق الأحجار، بل وصل بهم الأمر إلى شرب بولهم مع السكر” كما جاء في كتاب “الحصار” (El Blocao)  لكاتبه “خوسي دياز فرنانديز”.  ليضطر الجيش الاسباني إلى إعلان الهزيمة والتراجع إلى مليلية، حيث منع الخطابي جنوده من اقتحامها، خوفاً من وقوع مجازر وأعمال نهب بها في حق المدنيين.

حقق مجاهدو الريف انتصاراً ساحقاً حشر الجيش الاسباني في حدود مليلية، ليُعدد الخطابي غنائمه العظيمة في مذكراته، “إذ استولى رجاله على 200 مدفع، 20 ألف بندقية، مقادير لا تحصى من القذائف، ملايين الخراطيش، سيارات وشاحنات، أدوية وأجهزة تخييم، وكل ما يعوز جيشه ليشنّ حرباً شاملة، فضلاً عن أسر 700 جندي اسباني، وتصفية 15 ألفاً آخرين”.

 

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية