إرهاب الطرقات..بين عنف السائقين وانعدام الفهم للفضاء المشترك

كشك | 30 ديسمبر 2016 على 15:13 | آخر تحديث 8 يوليو 2017

من طرف:


30

صراخ وخصام وشتائم، شنآن بين السائقين، تسابق من أجل كسب أكبر عدد من الزبائن أو ربح الوقت دون احترام علامات التشوير.. هي حزمة مشاهد من بين أخرى تؤثث الفضاء الطرقي يومياً بالمغرب، تتناسل في وضح النهار لتُفرز جملة من الثغرات السلوكية والتربوية التي تتخلل العلاقات الاجتماعية في الفضاء المشترك. إنه اندفاعٌ نفسي وسيكولوجي محض، يضر بسلامة وأمن المجتمع عموما، قبل أن يُحول الطريق إلى حلبة صراع أو فضاء للصّدام.

يعد المغرب من بين البلدان التي تتوفر على أخطر الطرق في العالم، ورغم الجهود المبذولة لوقف النزيف في مجالات التوعية والتشريع والبنيات التحتية، يبدو أن تطور الأرقام غير مطمئن بالمرّة، فقد سجلت اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير خلال الخمسة أشهر الأولى برسم سنة 2016، وفي مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2015 ارتفاعات في عدد حوادث السير، في عدد القتلى، وكذا في عدد المصابين بجروح خفيفة على التوالي بنسب 7,45% و1,27% و9,25%، حتى أضحى البعض يطلق على هذه الآفة “إرهاب الطرقات”.

خلل في إدراك قيم الفضاء المشترك؟

يشير أوسرار مصطفى، باحث في علم النفس في تصريح خص به الجريدة الإلكترونية “كشك”، إلى وجود متغير أساسي يبرز في “كون الفرد لا يتعامل مع الواقع كما هو، لكن يتعامل مع الواقع بناءا على طبيعة الإدراك الذي يُكوّنه حول هذا الواقع (حسب الموقف الاجتماعي الذي يوجد فيه)، وبالتالي فسلوكنا وردود أفعال المرء تأتي حسب طبيعة إدراكه للمجال السياق الذي تم فيه التفاعل”.

نفترض أن يكون إدراكك مثلا مبنيا على فكرة “أنا الأهم”، نظرا ربما لتميزك أو شهرتك أو قيمة وظيفتك.. تأثير هذا التصور على تصرفاتك في الطريق سيؤدي إلى محاولات مستمرة لتجاوز السيارات الأخرى لأن اجتماعا مهما ينتظرك مثلا، وعدم الرضى برفض السائقين لهذا التصرف، خاصة في المواقف الحرجة المتسمة بالخلاف. وكم من عناد قاد إلى التنافس والصراع ثم الموت في مشاهد تراجيدية كانت أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ هوليودي! في حين أنه لو كان إدراك الجميع مبنيا على فكرة النظام، الاحترام المتبادل والامتثال للقانون، لكان بالإمكان تخفيض حوادث السير بشكل ملحوظ، على الأقل في الطرقات ذات جودة.

وجوابا على سؤال تأثير طبيعة بنية العلاقات الاجتماعية على حوادث السير بالمغرب، يقول الأخصائي النفسي امحاسني رضا: “معاناتنا أثناء السياقة تعطينا نظرة شمولية حول العلاقات الاجتماعية والشروخ في العقد الاجتماعي وفي إدراكنا  للفضاء العام، وذلك من خلال تكريس مبدأ “الذكورية” وتبخيس الآخر. وفي ظل ضعف السلطة الأبوية (المؤسسات العمومية التي تعمل في هذا المجال)، يستحلّ السائق لنفسه فكرة التمادي في عدم احترام مدونة السير، وفي عدم تكريس مبدأ القانون واحترام الغير”.

عنف وتحقير ورغبة في الإقصاء..

“يتخذ العنف الطرقي أشكالاً عدة، غير أن أبسطها قد يفيد في تفسير حوادث رهيبة”، يقول الأخصائي في علم النفس رضا امحاسني، قبل أن يستطرد: ما نلاحظه في الطرق، هو أننا أثناء السياقة نصبح عنيفين، وهو ما يطرح أكثر من تساؤل حول نفسية هذا السائق، وعوض أن تحمينا السيارة مثلا تتحول إلى “آلة قتل”.

“هاد العيالات كتاروا ها؟ الطوموبيل بالكريدي (يتأفف).. ولكن ماعليهوم والو، رجالهم اللي دارو ليهم البيرمي هوما اللي خاصهم التصرفيق”، هكذا تلفظها سائق طاكسي كبير بالعاصمة الاقتصادية ذات أحد مساء في شارع القدس، بنبرة حادة واصفا امرأة تسوق سيارة إلى جواره بكونها تعرقل السير وتتسبب في الزحمة المرورية. يضيف امحاسني: “في الطريق ننفي وجود الآخر ونقوي رغبة الأنا كما يروق لنا، الشيء الذي يفسر كمية السب والشتم والاستفزاز بين مستعملي الطريق، هذا العنف المضاعف  يولد حوادث بالغة السوء”.

من جهته، يشير أوسرار الباحث في علم النفس: “عندما يكون السائق المغربي خارج التراب الوطني، فإنه يمتثل لقوانين السير ويحترمها بناءا على تمثلاته هناك، بالمقابل في المغرب، وانطلاقا من فهمه للمجال الواقع، فإنه لا يحترم القانون، بل ويعمد إلى التحايل عليه، سواء من خلال الرشوة أو الزبونية، وهذه المخارج وأخرى تؤدي في كثير من الأحيان إلى حوادث سير مميتة”.

الولوجيات: ضرورة لإرساء ثقافة الاحترام

“في فرنسا شعرت بمعنى احترام الآخر.. بالتقدير.. بتسهيل المأمورية لكل شخص “من ذوي الاحتياجات الخاصة” سواء في وسائل النقل وفي جميع المرافق العمومية..، للأسف في بلدي الأمر مختلف ونظرة المجتمع لكل صاحب إعاقة لا ترحم”.. هكذا كتب عمر عرشان في تدوينة له على الفيسبوك، وهو طفل مصاب بمرض الاعتلال العضلي، يهوى الطبخ، واشتهر لدى متتبعيه بلقب “الشاف عمر(Chef Omar)”.

عمر وغيره من الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون للتفعيل التام للحقوق المنصوص عليها في القوانين التي سن عليها المغرب، وأولها القانون رقم 03.10 المتعلق بالولوجيات، وفي المقابل، يحتاج الوعي الجمعي إلى تواجد هذه الفئة في الفضاء العام، كمدخل ممكن لإرساء قيم احترام الآخر، والاستفادة المتساوية للجميع من فضائنا المشترك.

في هذا السياق يقول الصحفي حارث بنوالي، معد ومقدم برنامج “معهم حيث هم”: “عندما تم تطبيق مدونة السير، لم يتم تنزيلها كما في بلجيكا حيث تتماشى مع احتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة، مثلا إشارات المرور لضعاف البصر، الأمر كذلك ينطبق على الأشخاص في وضعية إعاقة حركية، قبل أن يردف:” ما ينساه البعض، هو كون أغلب حوادث السير تؤدي إلى إعاقات مؤقتة أو دائمة !”

تصحيح التمثلات.. والتربية والتكنولوجيا كحلول

تكبد حوادث السير المملكة المغربية خسائر تقدر قيمتها بـ11 مليار درهم كل عام،  كما أن عدد الضحايا  يفوق 4 آلاف مغربي سنوياً. يعتقد مصطفى أوسرار الباحث في علم النفس أن العلاج بالصدمة من خلال بث وصلات إشهارية هو علاج نسبي، “ما يجب العمل عليه هو تقديم منتوج ثقافي يخاطب العقل والمعرفة، ويصحح المفاهيم حول الفضاء المشترك”.

إنه إذن وضع يستدعي ابتكار حلول جديدة تنفتح على الزوايا المتعددة لهذه الآفة. في هذا الاتجاه، يقول أمين أعمار، عضو مؤسس للجمعية المغربية للحد من حوادث الطريق : “يجب البدء بتغيير العقليات، أن نبدأ بأنفسنا.. باحترام قانون السير، وأن نتحلى بالتسامح أثناء السياقة”، كما يؤكد على الدور المحوري للتربية الطرقية منذ الصغر، مستدلا بتجارب دول متقدمة كالنرويج. وحول أساليب التوعية، يجزم أن قوة الجمعية تتجلى في الحملات التي تقوم بها على مواقع التواصل الاجتماعي، فمن من أجل رفع الوعي لدى المواطنين، وعلاوة على التربية على فهم الفضاء المشترك وضرورة إغناء مضمون البرامج التوعوية وتقويمها عبر مجهود تكاملي بين جميع المتدخلين، تتضح أهمية استعمال وسائل التواصل الحديثة.

يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في تطوير المراقبة والجزْر، من خلال الانفتاح على آخر الاختراعات في مجال يعرف تطورا كبيرا تَجاوزَ الكشف عن تناول المخدرات واعتماد الكاميرات الكاشف، ويبدو أن التأثير المنشود يحتاج إلى الاستثمار في التعليم، خاصة لدى الناشئة من خلال تأثيث المناهج التعليمية بهذه القيم، مع التفكير الجدي في إدراج مادة خاصة بـ”السلامة الطرقية” في مُقرراتها.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية