إني أتهم..هؤلاء هم المسؤولون عن معاناة أهلنا بالريف

كشك | 13 يوليو 2017 على 18:28 | آخر تحديث 24 يوليو 2017


1494

-سأستسمح الروح الطاهرة لإميل زولا، الذي بعث رسالة فيها الكثير من الروعة الأدبية والشجاعة السياسية والإصرار على قطع الطريق على بؤر الفساد في كل مفاصل المؤسسات الفرنسية، حين كانت فرنسا في غمرة التحول الديمقراطي، رسالة مفتوحة وجهها في 13 يناير 1898 يستشيط فيها غضبا، كمثقف ومبدع وضمير للأمة، إلى الرئيس الفرنسي، آنذاك، فيليكس فور، حول القضية الشهيرة المعروفة بقضية دريفوس. سأستسمح هذا المثقف الفرنسي الكبير الذي ظل قلبه وعقله وقلمه ينبض بالحقيقة رغم المخاطر والمخافر والمحاضر إلى أن رقد في مثواه، وسأستلهم العنوان والجسارة والمجازفة وسأتهم.

سأتهم كل من أعتقده سببا في معاناة أهلنا بالريف والعديد من مناطق بلادي وكافة من أساؤوا إلى انتقالنا نحو الديمقراطية، الذي تعبنا في سبيله وسعدنا به وتعبأنا حوله وانتصرنا للمصالحة من أجله، رغم قساوة زمن الجمر والقهر والرصاص. سأتهم جميع من يكدسون الأرصدة والأراضي والممتلكات ويستخفون بقضايا شعبنا والوطن ويستهينون بالمعاني الحقيقية لدولة الحق والقانون والمؤسسات ولا يقيمون اعتبارا لذكاء الناس ومستقبل الأطفال والأحفاد. سأتهم هؤلاء، وغيرهم، من خصوم الكرامة و الحريات والمساواة والإنصاف الاجتماعي والمستهزئين بجدوى مؤسسات ذات مصداقية وقوى حية تتقاطع مع الدولة لما تكون القرارات في مصلحة البلاد والعباد وتترافع بحزم وجلد وتضحيات عندما يريد البعض تذكيرنا بالاستبداد. سأتهم من يريدون التهام ثروات البلاد والزج بالأغلبية الساحقة، فئات هشة وفقراء وطبقة وسطى وحتى ميسورين بالحلال، في متاهات الاشتباك مع الحال. سأتهمهم دون تردد ومع سبق الإصرار والترصد، لأن الوضع برمته يستدعي نقطة نظام تعيد البلاد إلى جادة الصواب وجهرا بحقيقة تفضح الزيف والرياء وخطوات جريئة تخلص العهد الجديد من كل الشوائب التي علقت به بقوة الإرث الثقيل والاندفاعة النفعية القوية للنخب، ولكي نضخ جرعات من الأمل في مزاج وحس ووعي شعب بأكمله تكاد رهاناته وانتظاراته تنجرف نحو السقوط. سأتهمهم لأن الكيل قد طفح والتذمر قد لاح والصبر قد أوشك على النفاذ ولم يعد بمقدورنا السكوت على من يقاومون التغيير من داخل أروقة الحكم ومن أزقة الفعل السياسي الضيقة المودية بالمشروع الديمقراطي والمؤدية للمآسي والاختناق.

– إني أتهم أخطاء الحركة الوطنية التي لم تفهم سايس بيكو ومعاهدة الجزيرة الخضراء وسقطت في إيكس ليبان وتغاضت عن إيكوفيون ولم تحسم أمور الجغرافيا والتراب والشق الثاني من وثيقة المطالبة بالاستقلال وأحالت علينا قضايا بحجم الصحراء وسبتة ومليلية والجزر والدستور ومضمون الحكم ولم تمتح من ثقافة التعدد وانهمكت في التصفيات الجسدية للمخالفين ولم تقوى بنيتها على تحمل تدبير الخلاف فانشطرت أشلاء وأشلاء.

– إني أتهم زلات الحركة الديمقراطية التي لم تتوفق يوما في تقدير التناقض الرئيسي من الثانوي وفوتت الكثير من فرص التسويات الكبرى مع المؤسسة الملكية ولم تتمكن من تجنيب البلاد صراعا دراميا، داميا وضاريا، أتى على الوقت والتنمية والحريات وأرواح الكثيرين ومنحت صقور، تلك المرحلة، ما كانوا يريدون لنصب الفخاخ وتلفيق التهم وتدشين عهد الجمر والرصاص بدل بناء الدولة الوطنية الديمقراطية.

– إني أتهم الحركة اليسارية التي قدمت التضحيات الجسام، لكنها بقيت وفية للدغمائية والإطلاقية والتيه الفكري والتمزق وأحلام اليقظة والعزلة عن الجماهير، ولم تعد تتقن سوى فن انتظار الحركات الاحتجاجية العفوية ليطلع علينا القادة بأناقة من على شاشات الفضائيات وهم يرددون كلام سبعينيات القرن الماضي الذي تجاوزته الأحداث والتاريخ وقوة الأشياء، ولتدبج بيانات الشجب والإدانة والتضامن وسدادة الموقف والكلام الغليظ الذي لا يؤثر لا في الناس ولا في موازين قوى الصراع من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الناس.

– إني أتهم 29 حكومة من أصل 31 تعاقبت على إدارة الشأن العام منذ الاستقلال، والاستثناء هنا موصول لحكومتي عبد الله إبراهيم وعبد الرحمن اليوسفي، 29 حكومة لم تعفينا من معضلات التعليم والشغل والصحة وولوج الخدمات الأساسية وتقاعست في طرح سؤال النموذج التنموي ولم تنقب عن بدائل لتعزيز صناعة الثروة والنهوض بمعدلات النمو ولم تراكم أي إنجاز يحسب لينتقل المغرب إلى مصاف الديمقراطيات ولائحة الإخفاقات طويلة، مقرفة ومكتظة، إنجازها الوحيد، كان ومازال، هو الإصغاء النجيب لمواعظ البنوك العالمية التي تفرغ السياسات العمومية من أي رهان اجتماعي، حكومات تعاقبت طيلة 60 سنة، لم نتمكن خلالها من تدارك الخصاص على أكثر من صعيد رغم تاريخنا وعراقتنا ومواردنا الطبيعية والبشرية ونماذج الدول الصاعدة أمامنا وما حققته إسبانيا والبرتغال وهلم جرا تجارب لم يتخيل المؤرخون وخبراء الاقتصاد ومراكز التوقع أن تقفز من وضع التأخر إلى نادي الديمقراطيات والتقدم في غضون أقل من عقد، عندما تظافرت الإرادة السياسية ونزاهة النخب وسواعد الأطر وقوة العمل وإدراك نبيل لمعادلة الحق والواجب، عندهم هناك.

– إني أتهم شبكات الفساد والريع ومحترفي النصب والاحتيال في الصفقات العمومية والاستحقاقات، من أصغرها إلى أكبرها ومن أدنى إدارة إلى أهم مرفق ومن أبسط قائم على حوائج الناس إلى أضخم حوت يبتلع كل ما في الطريق بدعوى امتلاك أرقام هواتف في مناطق النفوذ، و الذين راكموا الثروات بأشكال ملتوية وغير مشروعة في أزمان قياسية ستحرق كتاب غينيس وباتوا يعيثون في الأرض والبحر والسماء فسادا، وينجبون أولاد الفشوش وخطاب أنا من يحكم والاستهتار بالعامة وحكرة البسطاء ومنطق الاعتماد على سلطة المال لاستمالة سلطة النفوذ وتأويل القانون على مقاس المصالح والمآرب وحقوق الامتياز. أتهم هؤلاء، لأنهم يستفزون الناس بغيهم وحيفهم وطغيانهم ويخرجونهم عن الصبر والصواب ويوقدون نقمة العوز والضنك والبؤس على البذخ والترف والاستئثار بالرغد والمال والجاه. أتهمهم لأنهم يعمقون الفوارق بين الفئات الهشة ومعها الفقراء والطبقة الوسطى وبين علية القوم، وفوق ذلك يتمرغون ضحكا عند سماعهم عن إرادتنا في وطن يتسع للجميع و ينصف الجميع ويجهضون حلمنا بالعدالة الاجتماعية وسيادة القانون وحقوق الناس رغم تحمل أجيال قضت وأجيال تنتظر وأجيال قد يراودها يأس نمقته حد الضغينة.

– إني أتهم 10 ولايات برلمانية، عرفنا فيها برلمانات بغرفة ارتآها الاستبداد، في مرحلة من المراحل، إلى جانب تزييف الحقيقة السياسية والاجتماعية للبلاد، كافية لترويض الشعب والنخب والمباغثات وتمكين المحظوظين من خيرات البلاد ضدا على الأغلبية الساحقة، وعشناه بنظام الغرفتين الذي استسغناه في دستور 1996 عندما كان يتوجس من نوايا القوات الشعبية، لكننا لم نفهم، لحد الآن، دواعي استمراره في دستور 2011، ولم نستوعب، بعد، انعدام حمرة الخجل من وجوه النقابات وهي تلتمس الإبقاء على أماكن لها فيه رغم وجود المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في وقت كانت حناجر 20 فبراير تصرخ ضد الريع بكل أصنافه وكان الجميع يترقب ترشيد المال العام وتقليص نفقات الدولة على نفسها وعلى مؤسسات لا نرى لها أي جدوى في تطلعات الوطن والمواطنين. أتهم هذه الولايات البرلمانية التي ينكث معظم من قبعوا فيها العهود ويتنصلون من الالتزامات ويجيدون التقاط المرغوب وأغلال الرقابة الذاتية ويبلعون ألسنتهم وقت الشدة ويطلقون العنان للحديث الأجوف عن الشعب وهمومه والفقراء والمساكين وأبناء السبيل والاحتجاج والحق والقانون، عندما يصبح الكلام في مثل هكذا أمور مباحا ومستحبا ومطلوبا، حتى لا يفقد الملأ الثقة إلى الأبد، برلمانات تكرس أزمة الثقة بين المؤسسات والناس وتعيد إنتاج نفس النخب ونفس البؤس ونفس السياسات العمومية التي تذيلنا في التقارير الدولية وتجعل 8 ملايين مغربي تحت عتبة الفقر و70% من السكان تعساء ونسب العطالة والمديونية تشع بالأحمر ومؤشرات التنمية البشرية لا تبعث على الاطمئنان.

– إني أتهم الجماعات الترابية التي منحت صلاحيات واسعة بمقتضى الميثاق الجماعي وقانون الجهات ودستور 2011 والتي كان من المفترض أن تكون رافعات للتنمية الاقتصادية وأمكنة لحل المشكلات الاجتماعية للسكان وفضاءات للديمقراطية المحلية ووحدات قادرة على عقد الشراكات الاستراتيجية مع الدولة في المشاريع الكبرى وآليات تحظى بالمصداقية، عندما يقتضي الأمر الوساطة بين الناس وصناع القرار، لكنها تبدو عاجزة عن الابتكار والتخطيط والتجاوب مع احتياجات السكان وتدبير المجال لكونها لم تتحرر من ظهير 1976 وبقيت أغلبياتها كما أقلياتها، في الغالب، تؤثث بمن يستميل الأصوات بالدين أو بالمال أو بهما معا.

– إني أتهم الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية التي تنكرت لدورها في تأطير المواطنين والإصغاء لانتظاراتهم وإشراكهم في صياغة الحلول والتفاوض بشأنها مع المسؤولين بحزم وحرص على تحقيقها على الأرض، وتخلت عن استقلالية القرار وعن كسب ثقة الناس وفضلت إتقان نيل أصوات توصل إلى المؤسسات المنتخبة وشهادات حسن سير وسلوك توصل إلى المسؤوليات وباتت تعتبر تغيير الموقف كل نصف ساعة براغماتية وقول الكلام وونقيضه فلسفة والتنازلات المجانية ذروة الحنكة السياسية وتأبيد الزعامات مناعة ضد التحريفية.

– إني أتهم الإسلام السياسي الذي أقحم الدين في السياسة فأساء للاثنين معا، وعمم أحكام القيمة وأشنع النعوت وأبشع القدح في حق كل من نادى بترك علاقة البشر بالله لله والموعظة الحسنة، وأجج الحقد على الوعي النقدي وساهم بشكل كبير في تعطيل المشروع الديمقراطي من خلال إرهاق المجتمع وقواه في نقاشات وتجاذبات واصطفافات حسمها بروعة بعض المفكرين ونفر من علماء النهضة أبرزهم، فرح أنطوان قبل 1922 والشيخ الأزهري علي عبد الرزاق قبل 1966، سجالات حول فصل الدين عن السياسة بشكل يجعل من الدين علاقة خاصة وخالصة بين الإنسان والرب، والسياسة شأن عام يمارس بقوانين يضعها الناس في كل مرحلة حسب معطيات موازين القوى في المجتمع الذي يعيش التبدل والتحول كما وكيفا باستمرار. كما أتهم الأرثوذوكسيين والعدميين وأصحاب الحقيقة المطلقة الذين لا يعبأون بأي تغيير تحقق ولا يشاهدون إلا النصف الفارغ من الانتقال ويتمترسون في الجامعات ويحولونها وغى بين التيارات بعد أن كانت تنجب الأفكار والمعرفة والكفاءات المرتبطة بقضايا الأمة والوطن، ويختبئون في النقابات بتقية أوصلت جل النزاعات الاجتماعية إلى إغلاق الوحدات الإنتاجية والتسريحات الجماعية للعمال وهروب رأس المال إلى بلدان أخرى أو رجوعه إلى البنوك.

– إني أتهم كل من لزم الصمت أكثر من اللازم، في وقت الوطن والمواطنون في أمس الحاجة إلى كلام نابع من المعرفة والضمير والإصرار على قول الحقيقة كاملة  بالاحترام الواجب للمؤسسات، لكن دون مجاملات ولا مغالطات ولا إشارات قبول للاستراج، كل من لا يبيع التحاليل ولا يؤجر وجهه وفي وجنته دم، يتأفف من الرداءة ويفضل التصوف ويبتعد عن المستنقعات، لكن عندما يتعلق الأمر بمآل وطن يعود إلى الميادين ويصدح بما يراه مناسبا لتنزاح المصاعب والأعباء وأعناق الزجاج والدخلاء والطفيليون، وتُستأنف رحلة البحث عن الديمقراطية كما هي متعارف عليها كونيا.

– إني أتهم المتربصين بانتقالنا السلمي والهادئ نحو الديمقراطية، سواء تعلق الأمر بأصحاب وهم المساء الكبير ورؤى القومة والمتنطعين دون وجهة نظر ولا وجهة طريق، أو بالشاهرين للمقاربات الأمنية والحنين إلى التنكيل والقسوة والأقبية وتزوير الإرادة الشعبية وصناعة الخرائط السياسية وقطع الغيار الحزبية والمشككين في جدارة المغاربة بالتوزيع العادل للسلطة وللثروة. أتهم صقور المجتمع التي تحرض غضب الناس نحو الانزلاق والمآسي والخسائر والباب المسدود، وصقور الدولة التي كلما اختلت موازين قوى الصراع من أجل الديمقراطية لصالحها واكتفى الفاعلون باللعب بعيدا عن خطوط التماس تبدأ في الغقغقة والأهبة للانقضاض وافتراس وسحق ما تحقق من مكتسبات.

– إني أطلق هذه التهم، وأنا أعي جيدا أنني أضع نفسي تحت طائلة النقد اللاذع والتهجمات من كل حدب وصوب والافتراء الذي سينهال والمساءلة، إن اقتضى الحال. لكن آخر اهتماماتي هو ردود فعل الجهات التي أضعها في زاوية الاتهام. ما يشغل البال هو مستقبل أبنائنا والوطن، وكيف نتجاوز المحن، ونعتبر مما حصل ويحصل، ونقدم على مراجعة الكثير من السياسات والتصورات والخيارات التي تبقي حظوظ الردة عن المسار الديمقراطي واردة.

– انتقالنا نحو الديمقراطية في حاجة إلى العدالة الاجتماعية التي أبعدنا عنها جشع المضاربين وتفاهة النخب وإصغاء الحكومات لوصفات الليبرالية الموغلة في التوحش والتساهل مع كل هذه الفوارق في الأجور والأوضاع والتردد في الحسم مع الريع ومحاسبة من يخطئون في حق إشارات العهد الجديد على أكثر من صعيد. الشعار المركزي في المرحلة، من وجهة نظري، هو تجديد النفس الديمقراطي للعهد الجديد بمبادرات من العيار الثقيل تجزم للمغاربة وللرأي العام الدولي، أن البلاد ذاهبة بكل ثبات نحو الديمقراطية وأن ما يجري الآن، وفي بعض المنعرجات، هو فرص لتقييم المسار وخارطة الطريق والأجندات وتصويب الأخطاء وتعديل الاستراتيجيات وتنحية مراكز مقاومة التغيير، ليس إلا. ستكون مقاربة الأمور بهذه المنهجية ذروة الحكامة.

– حراك الريف واستياء الناس وحالة القلق الراخية بضلالها، كل هذا له ما يفسره، وعلينا معالجة الأسباب في حينه بدل الاكتفاء بالتنقيب عن الكلمات لمجرد الوصف.

– أجدد التهم لكل من ذكرت، وأؤكد وثوقي في قدرة المغرب والمغاربة على تلمس الصواب في القادم من الأيام، خاصة إن أفصحت المؤسسة الملكية عن انحيازها الكامل للخيار الديمقراطي، هنا والآن.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية