احتجاجات الريف.. الأرواح السبعة للحزب السري

كشك | 27 يوليو 2017 على 00:04 | آخر تحديث 27 يوليو 2017


264

دخلت احتجاجات الريف، بجدارة زخمها الشعبي الناهض، تاريخ الهبات والانتفاضات، التي عرفتها مسيرة النضال الشعبي المغربي، من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بتواريخها المعروفة، من 23 مارس 1965، و20 يونيو 1981، ويناير 1984، و14 دسمبر 1990، وصولا إلى مسيرات 20 فبراير 2011… لكن احتجاجات الريف تختلف عن جميع تلك الانتفاضات والهبات والمسيرات (باستثناء 20 فبراير)، بحكم امتدادها في الزمن، إذ تقترب، حاليا، من إكمال شهرها التاسع، لتتحول إلى منارة نضالية شعبية، من أجل أن تكون الحسيمة، والريف كله، منارة المتوسط…

من الطبيعي أن الحركات الاحتجاجية الكبرى تتعدى الانحسار في المكان، لتنقل روحها التغييرية إلى باقي مفاصل الوطن.. ومن الطبيعي أكثر أن مثل هذه الحركات غالبا ما تجد “مقاومات”، ومحاولات اختراق، لتحريفها عن مجراها الطبيعي، الديمقراطي الشعبي…

وهكذا لاحظنا “كائنات سرية”، أو “جهات مجهولة” حاولت فرض طوق من الحصار والإهمال والتهميش على احتجاجات الريف، لوأدها في مهدها، دون جدوى…

بعد فشل هذه الخطة، انتقلت الكائنات إياها إلى محاولة جر الاحتجاجات إلى الصدام الدامي:

من جهة، استثمرت الكائنات إياها رفع المتظاهرين للأعلام الأمازيغية وأعلام “جمهورية الريف”، لتدفع في اتجاه تحريف الاحتجاجات عن مجراها، ورفع سقف مطالبها، بشعارات يائسة لم تجد لها مكانا وسط المحتجين.. كما ظهرت عناصر ملثمة ساهمت في جر الأحداث إلى الصدام، مثل ما وقع في مواجهات خامس فبراير، التي أسفرت عن سقوط حوالي ثلاثين جريحا من رجال الشرطة، أو عندما هاجم ملثمون، يوم 26 مارس، مقرا للشرطة في أمزورن بالحجارة، وأضرموا النار في محيط المبنى…

ومن جهة ثانية، توالت عدد من الإجراءات الإدارية الاستفزازية، خصوصا ابتداء من ماي المنصرم، إذ تتابعت وتصاعدت التدخلات الأمنية العنيفة، وصولا إلى كيل اتهامات بالانفصال، في وقت صرح أبرز قادة احتجاجات الحسيمة ناصر الزفزافي نفسه بالقول إن “مطالبنا اقتصادية واجتماعية، ولم نطرح يوما إقامة دولة مستقلة”، وتوالت على الساحة إجراءات مشبوهة، لا يُعرف من وراءها، كلما بدأت الأمور تأخذ مجرى التهدئة، حتى تظهر في محاولة مكشوفة لتفجير الوضع، من تسريب تقرير عن التعذيب، وتسريب فيديو الزفزافي، إلى بروز كائنات سرية، وبعضها معلومة، تتحدث وراء شاشات الهواتف الذكية أو الكمبيوترات، وأغلبها في بلدان أوروبية أو مغاربية، تدعو إلى الاحتجاج يوم عيد العرش…

في المحصلة: هناك حزب سري يرمي حبائله هنا وهناك، بأدوات متعددة ومتنوعة، في محاولة يائسة لإشعال النار في البلد…

مصطلح “الحزب السري” ينتمي، نظريا، إلى مرحلة سابقة، يُفترض، نظريا أيضا، أن يكون المغرب تجاوز انكساراتها، وطوى صفحات انتهاكاتها وانكساراتها، التي لم تكن تعني حقوق الإنسان فقط، في أبعادها الحقوقية الضيقة، وإنما حقوق الناس في أبعادها الشمولية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبكلمة: الحقوق المواطنية والإنسانية، أي حق الناس في الانتماء السياسي والنقابي والجمعوي، حق الإحساس بالحرية في ممارسة هذه الحقوق، الحق في التعليم والصحة والسكن والشغل… إلى غير ذلك من الحقوق…

في ذلك الزمن، كان “الحزب السري” يقف بالمرصاد في وجه هذه الحقوق، بممارسات مضادة، تعتمد أساليب الاستبداد، ولم يكن ينظر إلى الشعب كجماعات من المواطنين، وإنما رعية تُساس وتُساق إلى حيث يريد الراعي، وكانت السياسة مرادفة للسياقة، بكل تبعاتها في الخضوع والركوع والطاعة، وكل خروج عنها، يحوّل السياسة إلى مرادف لجريمة حاصلة، أو مشروع جريمة محتملة، تتطلب الضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه ارتكاب الدفاع عن الحرية والكرامة…

كان “الحزب السري” موجودا في كل مكان، في الشارع والزنقة والدرب والمدرسة والثانوية والجامعة، وفي كل شيء، ومن فرط الإحساس بهذا “الحزب” العجيب، ستنشأ تلك التهمة، التي كان سياسيون ضعفاء يستقوون بها على خصومهم، فينعتونهم بـ”بوليس”، واليوم ينعتونهم بـ”مخزني”!

ومن فرط هذا الإحساس، سيجري نحت هذا المصطلح “الحزب السري”، من قبل قوى المعارضة، في بداية تسعينيات القرن الماضي، لتوصيف سلوكات وعقليات وزارة الداخلية، في عهد الراحل إدريس البصري، التي أبدع المعارضون لها اسما آخر، هو “أم الوزارات”…

مضى ذلك الزمن وولى، وبدأنا نعيش تحولات “الحزب السري”، الذي لم يعد من صنع الدولة وحدها، وإنما من صنع المجتمع أيضا. وأبلغ دليل على ذلك: هذه الكائنات، السرية وحتى العلنية، التي تحاول اختراق احتجاجات الريف، لتحريفها عن إطارها المجتمعي الراهن، من أجل جرها إلى مهاوي المجهول…

يبدو أن للحزب السري سبعة أرواح، كما يقال عن القط في الثقافة الشعبية، فمن يكون هذا الحزب السري الجديد؟

هناك حاجة ملحة إلى الجواب، وإلى البحث عن كائنات هذا الحزب في الدولة والمجتمع، قبل أن تأتي صنائعه على الأخضر واليابس…

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية