الأحزاب.. التقريع والتأهيل

كشك | 3 أغسطس 2017 على 21:12 | آخر تحديث 3 أغسطس 2017


601

 في العقود السابقة، كانت الدولة، من خلال وزارة الداخلية، تتحمل المسؤولية الأساس في إفساد العمل السياسي والنشاط الحزبي.. هذه حقيقة ثابتة، بوقائع ثابتة، جرت فيها عمليات صنع أحزاب، وصنع نخب، وصنع أغلبيات، وشق أحزاب… وإذا كان ذلك لا يمكن أن يشكل مبررا دائما لتفسير مظاهر القصور والتقهقر والضعف التنظيمي والتصدع الداخلي بفعل غياب العلاقات الديمقراطية السليمة، فإنه، لا يمكن، في الوقت ذاته، أن يشكل مبررا للتهجم على الأحزاب، ومحاولة إلغاء دورها الحيوي في الحياة السياسية.

وبمجرد ما قرّع الملك الأحزاب المغربية، حتى خرج مقرّعون، من كل حدب وصوب، يلتقي في ذلك المطبّلون حملة البوصلة الراكعون الخاضعون المنتظرون الإشارة أينما ولّى الملك وجهه يولّون، والرفضويون حملة المعاول القاعدون وراء شاشات الكومبيوترات والصامدون في المقاهي والبارات محترفو المظاهرات، ليطعنوا في كل الأحزاب، وليوجّهوا ضدها سهام النقض، البعيد عن النقد، مع فيض من الحقد والضغينة…

لا نقصد، هنا، الدفاع عن الأحزاب المغربية، أمام أي انتقاد، بل إن النقد مطلوب والحوار مرغوب والتأهيل منشود، لكن ما هو غير مقبول هو محاولات التبخيس والإلغاء والإقصاء والتهجمات، التي تكرس تلك الصورة الملوثة للأحزاب في ذهنية المغاربة، الشيء الذي يصب في إشاعة قيم اليأس والتيئيس والتهميش والانهزامية، وكل المظاهر المرضية، التي تفاقم ابتعاد المغاربة عن الأحزاب، وتجعل المشاركة الشعبية في أرذل نسبها.

في الانتخابات التشريعية السابقة (7 أكتوبر 2016)، لم تكد نسبة المشاركة تصل إلى 43 في المائة، وفي الانتخابات، التي سبقتها، سواء انتخابات 25 نوفمبر 2011، أو انتخابات 7 سبتمبر 2007، عاش الحقل الحزبي حالة مخاض، أطلقتها صدمة العزوف الكبير عن المشاركة. ولم تترك تلك النتائج للفاعلين الحزبيين حتى فرصة الاعتراف بالفشل، إذ جاء تغيّب ثلثي الناخبين عن صناديق الاقتراع معبرا ببلاغة سياسية قوية عن الهوة الفاصلة بين الأحزاب والمواطنين.

كان يفترض، بعد الانتخابات الأخيرة، أن تتداعى الأحزاب لوقفة مراجعة، تنظيمية وسياسية، وأن تكون استخلصت الدرس، وراجعت حساباتها، وأنجزت نقدها الذاتي، لكن دوامة “البلوكاج”، الذي تسبب فيه رئيس الحكومة المعين آنذاك، ملأ الساحة السياسية بالضجيج، وجعل الأحزاب تستهلك نفسها في صراعات مجانية، وصلت بعضها إلى التطاحنات، تخللها تبادل كل أشكال الشتائم والاتهامات…

ورغم ذلك، فإن الوضع العام، كان يفترض، بالأمس قبل اليوم، أن تقوم الأحزاب بالمراجعة المنشودة، ارتباطا بإشكالية المصداقية أمام المواطن، وبمدى قدرتها على مصالحته مع صناديق الاقتراع، من خلال إعادة ثقته، أو خلق هذه الثقة لديه، في الأداة الحزبية، كوسيلة للتغيير والتطوير… وهذا يتطلب رؤية أخرى، وممارسات حزبية أخرى، بديلة للأشكال التقليدية، تجعل الحزب أداة جذب للمواطن، الذي يجد فيه نفسه، ومواقفه، وصوته، واختياره، واختلافه، في مناخ من الديمقراطية الداخلية، يؤمّن له التعبير عن إرادته، واحترام رأيه المطابق أو المخالف…

المهمة الحيوية في أي عملية تأهيل حزبي تتعلق بالديمقراطية الداخلية، إذ يمكن القول، دون أي نية في إعطاء دروس، ولا في إصدار أحكام قيمة، إن الحزب، الذي لا يمارس الديمقراطية الداخلية، بصفة فعلية وحقيقية، لا يمكن أن نصدق أنه سيمارسها في المجتمع…

وبالتبعية، فإن الأخطر من غياب الديمقراطية الداخلية، هو انعكاسات هذه الوضعية المختلة، ليس على الحزب وحده، وإنما على العملية الديمقراطية برمتها، إذ إن أي بلد يريد أن ينجز باقتدار برنامجه الإصلاحي في التنمية المجتمعية الشاملة، لابد له من أحزاب مؤهلة قوية وديمقراطية. في حين مازالت الأحزاب المغربية تواجه اختبار المصداقية، أمام المهمة الملقاة عليها، والمسؤولية التاريخية في دورها المفترض في البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد، على طريق تكريس علاقات سليمة وصحية مع المواطنين، وترسيخ الديمقراطية كأداة لتدبير الاختلاف والتدوال على القيادة…

فالأحزاب، كما هو معروف في الممارسة السياسية الرشيدة، تشكل الأداة الأساسية لكل بناء ديمقراطي حقيقي، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين البناء الديمقراطي، وما يفترض أن ينجم عنه من إقلاع اقتصادي واجتماعي.

ولا يمكن لأي بناء ديمقراطي أن يجد طريقه إلى النجاح إذا لم تكن هناك أحزاب مؤهلة وقوية. وهذا الهدف، هو الذي يلزم أن تتكاثف من أجله كل الإرادات والطاقات، أما غير ذلك، فلن يكون أمامها غير الانهيار، مآلا لغرقها وانغناسها في مسلسلاتها الرتيبة، بتفاهاتها وتشظياتها وصراعاتها وتجميعاتها وانفراطاتها وانشقاقاتها…

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية