الإخوان المسلمون.. الحركة تقرّع الحزب

كشك | 2 أكتوبر 2017 على 12:00 | آخر تحديث 2 أكتوبر 2017


192

السي عبد الرحيم شيخي، رئيس حركة التوحيد والإصلاح، رجل طيب، خلوق، بيْد أن مظهره الجسماني الضعيف لا يخفي قوة شخصية لافتة. حين يتحدث إليك السي عبد الرحيم، وهو يعلم أن خلافك معه جذري وعميق، لا يبرح لطفه وأدبه وهدوءه ورحابة صدره، مع نبرة لا تخفى من العزم والإصرار، الذي قد يدفعه إلى قلب الطاولة. وقد فعلها مرة، عقب اعتداءات 16 ماي الإرهابية، حين ارتأى مهندسو حزب العدالة والتنمية أن “يخفضوا جناح الذل”، بدفع التكفيري أحمد الريسوني إلى الاستقالة، فحضر شيخي إلى اجتماع قيادي، غاضبا محتجا حاملا لافتة مكتوب عليها “كلنا أحمد الريسوني”، ما دفع الراحل الدكتور عبد الكريم الخطيب، آنذاك، إلى طرده من صفوف الحزب…

قد يكون شيخي ظل الريسوني القادم إلى الحركة من رابطة المستقبل الإسلامي، ولذلك، مهما لازم رئيس الحكومة السابق، يبقى عبد الإله ابن كيران، بالنسبة لشيخي، رمزا للشق الأساسي في الحركة القادم من الإصلاح والتجديد… فليس صدفة أن تختار الحركة دعم سعد الدين العثماني، بديلا لرئيس الحكومة المعفي…

أصبحت التوحيد والإصلاح، مع شيخي، تتجه إلى الانسلال والفعل في تلك المساحة الرابطة بين الحزب والحركة… إنها الذراع الدعوي، وهو الأساس، إذ في بنية التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، تكون هي المتحكمة في الأداة السياسية، مثلما كانت تفعل الجماعة في مصر مع حزب الحرية والعدالة الحاكم…

ولذلك، نجد شيخي يتتبع الحياة الحزبية في مفاصلها وتفاصيلها، وحاول، بأسلوبه الإقناعي وطبعه الهادئ، لجم الانفلاتات الحزبية المناهضة للعثماني، وفي هذا المسار، يجد شيخي نفسه، اليوم، مضطرا إلى بعث رسالة قوية، لا تخفي حزمها وغضبها، في اتجاه ما بات يقدم عليه ابن كيران ومجندوه وأتباعه من سلوكات ومواقف ترفضها الحركة…

بلاغ المكتب التنفيذي للتوحيد والإصلاح، الذي أصدره أول أمس السبت، حول “العمل السياسي لأعضاء الحركة”، توقف عند “بعض الوقائع والمؤشرات السلبية والمقلقة في هذا المجال، سواء ممن هم في قيادة حزب العدالة والتنمية، أو على مستوى بعض الأعضاء هنا وهناك”.

إنه موقف سلبي وصريح وحازم، يُنشر علنا لأول مرة.. ورغم تأكيد القيادة على “امتناع الحركة التام والشامل عن أي تدخل أو توجيه سياسي أو تنظيمي في مواقف أعضاء الحركة المنخرطين في أي عمل أو منصب سياسي”، فإنها توصي “كافة أعضاء الحركة بأن يلتزموا بمتطلبات السلوك الأخلاقي الرفيع”، وتشدد على أنها “لن تتساهل ولن تتغاضى عما قد يظهر من اختلالات خلقية وتربوية وسلوكية”.

في المحطات الحاسمة، تغيب “التقية”، وتظهر العقيدة الإخوانية، المرجعية الأساس لحركة التوحيد والإصلاح، وأنها هي المتحكمة والموجّهة لذراعها السياسي حزب العدالة والتنمية، ليس فقط في اختيارات الحزب السياسية في تعامله مع الآخر: الدولة والمجتمع والمكونات السياسية الأخرى، بل حتى في بنيته التنظيمية، ومواقفه السياسية، وخلافاته الداخلية…

وهذا ما تفعله الحركة اليوم، التي بعثت إلى جماعة الإخوان المسلمين، قبل أيام، برقية تعزية في وفاة محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق للإخوان المسلمين”، في ما يشبه البيعة المقنعة، والولاء الحركي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وعلى الصعيد الداخلي، باتت توجهات الحركة الموجِّهة للحزب تزداد وضوحا وصراحة، ففي أعقاب الجدل، الذي أثاره مغاربة الفايسبوك، وعدد من الفاعلين الحقوقيين والمدنيين، بخصوص مواقف الرميد أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف، استعادت الحركة أدبياتها في الموضوع، وكتب موقعها الرسمي على الفايسبوك تدوينة تذكّر بأن الحركة “تعتبر الديمقراطية وحقوق الإنسان مكسبا عظيما للبشرية، تبلور من خلال القيم الدينية الخالدة”، ثم شددت على أن الحركة “ملتزمة بما تقرر منها في الإعلانات والمواثيق الدولية، باستثناء ما تعارض منها تعارضا بينا مع أحكام ديننا وشريعتنا”، وهو ما التقطه عضوها القيادي الوفي المصطفى الرميد، لينفذ الأمر، ويرفض عشرات التوصيات الحقوقية، باعتبارها “تتعارض مع ثوابت الدولة المنصوص عليها في الدستور”، وهي العبارة المقنعة للثوابت المحددة في “الدين والشريعة”…

حركة التوحيد والإصلاح، اليوم، مع شيخي، تخرج من تلك العلاقة الملتبسة، ظاهريا، مع حزب العدالة والتنمية، لتؤول إلى طبيعتها الحقيقية، باعتبارها علاقة وصاية، من قبل الجماعة الإخوانية على الأداة السياسية، وصلت حد التوجه إلى أعضائها المنتمين للحزب وتهديدهم بالعقاب في حال مخالفة وصاياها الأخلاقية والدينية والسياسية…

هذا المسار يؤشر إلى خلاصتين جوهريتين: أن الصراع داخل البيجيدي مرشح لتدخلات أقوى وأكثر حزما وصرامة في حال استمر ابن كيران ومجندوه ومريدوه على مواقفهم المناوئة للعثماني.. أن التقية الدينية في انتماء الحركة إلى الجماعة، سقطت أوراق توتها، لتؤكد، عمليا، أن الحركة هي ذراع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في المغرب…

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية