الإرهاب الذي يولد في الرباط وسلا

كشك | 5 أكتوبر 2017 على 10:21 | آخر تحديث 5 أكتوبر 2017


227

عندما اختارت مجلة “جون أفريك” لغلاف عددها الأسبوعي لنهاية غشت المنصرم عنوان “الإرهاب ولد في المغرب”، ثارت ثائرة بعض المغاربة، وثارت الحكومة، وخرجت دفوعات تتوسل بكون مقترفي العمليات الإرهابية في الدول الأوروبية ولدوا ونشأوا فيها، وتلقوا تعليمهم في مدارسها، ولا علاقة للمغرب وثقافته بهم وبانحرافهم سوى أنه مسقط رؤوسهم!

صراحة لا أعرف سببا لهذه الغضبة، فالوقائع تفيد أن مقترفي تلك الجرائم الإرهابية مغاربة، وليس كل المغاربة طبعا، وعمليات “البسيج” تفيد أن بعض التجنيد يقع هنا في المغرب، وهذا يعني أن هناك بيئة حاضنة تفرّخ الإرهاب موجودة عندنا في المغرب، وتتحرك في واضحة النهار، وقد تكون لها جوانب سرية من التحرك في الظلام والكهوف، يكفي تفحص أفعال وأقوال التكفيري الإخواني أحمد الريسوني، والتكفيري السلفي حسن الكتاني…

نترك الأول، مؤقتا، ونتوقف عند الثاني، بحكم أنه سيُلقي، مساء اليوم الخميس، درسا افتتاحيا بمعهد البريد والاتصالات بالرباط، بدعوة مما يسمى “لجنة المسجد” بالمعهد، في موضوع “نصائح للشباب مع بداية العام الدراسي”…

هذا الشخص، الذي يتمترس بسلا ويتباهى بنسبه الكتاني، ويصر على تصدير اسمه بلقب “الشريف”، معروف جدا أنه تكفيري، مؤمن بالإرهاب… قد يكون هذا الشخص ضد “داعش”، لكنه مؤمن بـ”جبهة النصرة”، ويناصر “القاعدة”، ولا يتحمل نهائيا أي رأي أو فكر مخالف…

هذا الشخص، الذي كان من معتقلي ما عرف بـ”شيوخ السلفية الجهادية”، لم يسبق أن عُرف أنه أجرى مراجعة لأفكاره الإرهابية، ولا عُرف أنه تراجع عنها، بقدر ما ليس خافيا أنه لا يكف عن بثّ سموم التشدد والتطرف، وكل من واجهه أو خالفه يسرع إلى تكفيره، ولو كان استطاع لسحق، هذه الأيام، شابا في العشرين من عمره، اسمه حمزة اليوسفي، كان أحد مريديه، وكان مسؤولا عن إدارة موقعه الخاص، قبل أن يكتشفه فيتبرأ منه ويبتعد عنه، فشرع “الشيخ الكبير” يبحث في تدوينات “الشاب الصغير”، ليصفي معه حسابه المريض، وليبين للناس كيف انقلب عليه… فصبر الشاب حمزة عليه بعض الوقت، قبل أن ينفجر في وجهه، وينعته بأنه من “أشد الشيوخ احتضانا للتطرف والأفكار المغالية بالمغرب”، وقال له “السي الكتاني أعلم أشياء لا يعلمها إلا خواص الخواص عنك، ولو كنت انقلبت عليك حقيقة لأذعتها في الناس وفي الصحافة، وأعلم أنها قد تكون نهايتك من خلالها”…

من يتتبع سلوكات ومواقف حسن الكتاني، لن يستغرب إطلاقا لما قاله حمزة اليوسفي، الذي ربما يكون يوحي إلى الشبكات، التي ينسجها الكتاني، في لقاءاته السرية، وفي استقطاب متشددين وفي خلق متطرفين، باستعمال عدة وسائل، أبرزها مواقع التواصل الاجتماعي، وضمنها بعض الأنشطة العلنية، مثل هذا الدرس الافتتاحي، اليوم الخميس، في معهد البريد والاتصالات…

الباحث يحيى اليحياوي، الذي يعرف جيدا هذا المعهد، وكان محاضرا به، طرح السؤال الذي يجب أن يُطرح: أية نصائح سيقدم “الشيخ” في معهد المفروض أن يستدعي عتاة خبراء الاتصالات لإلقاء الدرس الافتتاحي؟

نعم، أية نصائح سيقدمها شخص لا يؤمن بالفكر ولا التفكير، ولا بالعمل السياسي، ولا بالقانون، ولا بأي شيء آخر عدا أنه يؤمن بأن المغرب يجب أن بتحول إلى دولة خلافة إسلامية، على منهاج “القاعدة” وليس “داعش”!

لكن، في الواقع، الإشكال ليس في ما سيقدمه من نصائح، فغالبا قد لا تخرج عن الكلام العام والعادي جدا، الإشكال هو في ولوجه هذه المعاهد العليا، عبر وسائطه المبثوثة هنا وهناك، من قبيل “لجنة المسجد”، التي تضم سلفيين متطرفين، تأسست ربما قبل خمس أو ست سنوات، لا تستدعي سوى وجوه التطرف مثل عصام البشير، فينسج علاقات مع ثلاثة أو أربعة، أو أقل أو أكثر، من الطلبة المهندسين، جيل المستقبل، هذا هو الخطير في الأمر، إذ يشرع في التواصل معهم عبر “فايسبوك” و”واتساب”، قبل أن يتدرج في جرهم إلى مناقشة وتمرير أفكار وتنظيرات متطرفة، ثم يوصيهم بالكتمان… والنتيجة: هي الوصول إلى أشكال من التجنيد الإرهابي، التي غالبا هي التي قصدها حمزة اليوسفي حين قال إنه يعلم عن الكتاني أسرارا إذا أفشاها ستكون نهايته، وليس صدفة، أن يشير حمزة إلى ممارسات حسن الكتاني في “تمرير واحتضان الأفكار المتطرفة مع عدد من الشباب، منهم من زجوا في السجون، ومنهم من قتلوا في بقع الصراع”…

 

مشاريع الإرهاب تصنع، هنا، لدى عدد من شيوخ التطرف والتكفير، ضمنهم حسن الكتاني، في المجالس الخاصة والعامة، يستقطب كما يشاء، وينفث سموم التطرف أنى شاء، في المغرب، كما في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وإنجلترا وهولندا وألمانيا، وعندما ينفجر مغربي على الناس ويسفك الدماء، ويقول أحدهم إن “الإرهاب يولد في المغرب”، تثور ثائرة الثائرين، وكأنما على عيونهم عصابة لا يرون كيف تتحرك، على بعد خطوات منهم، مشاتل الإرهاب والإرهابيين…

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية