الإكتئاب في أماكن العمل .. المرض المغربي الجديد

كشك | 8 أغسطس 2017 على 11:56 | آخر تحديث 8 أغسطس 2017


173

باتت الحركة السريعة التي تسير عليها المجتمعات المُتمدنة، ومُتطلبات الحياة الجديدة التي لم تعد تعترف إلا بقوة الإقتصاد، تُشكل عبئاً يتزايد يوماً بعد يوم على الإنسان، الذي كان يُشكل – ولا يزال – المحور الرئيس والمُحرك لهذه الماكينة الهائلة التي تنمو وتتضخّم بشكل مُتواتر وسريع.

أمراض التمدن

والمغرب بدوره، ومع إرسائه لأسس الإقتصاد المبني على الصناعة، وقطاعات فاعلة أخرى تعتمد على اليد العاملة كالتجارة والخدمات، بات يعرفُ ظهور مجموعة أمراض تتعلق بكل هذه القطاعات، شأنهُ في ذلك شأن الدول الغربية، التي أسمى فيها الأطباء والباحثون هذه الأعراض المرضية  – في مراحل متقدمة من سنوات ما بعد الثورة الصناعية – بـ”أمراض التمدّن” (Les Maladies de civilisation) ، سارعت بعدها هذه الدول إلى حصر مُسبباتها، ومُحاولة البحث عن علاج شاف لها.

مأساة الأجراء

وقد كشفت مؤسسة “Solidaris” البلجيكية، عن احصائيات همّت مرض الاكتئاب وتوابعه لدى الأجراء المغاربة، استندت أساساً على دراسة جريئة أجرتها المدرسة الدولية العليا للتسييرESIG، أكّدت أن 2 من كل 3 أجراء بالمغرب يُعانون من أعراض الإكتئاب، هذه الأعراض التي تتفاوت حسب مجالات العمل المختلفة، غير أنها غالباً ما تتفاقم في أماكن العمل حيثُ الإدارة قريبة ومُسيطرةٌ بشكل كلي، وفي المؤسسات التي تضُم عدداً كبيرا من الأجراء كالمصانع الكبرى، مما يُشكل بيئة خصبة لتوتر العلاقات بين العمال بعضهم ببعض من جهة، وبينهم وبين رؤسائهم من جهة أخرى، مما يُعرضُ الرؤساء والمرؤوسين على حد سواء لذات الأعراض، والتي تتسبب لهم – حسب ذات الدراسة – في جملة من المشاكل  كالإعياء، والذي يأتي على رأس اللائحة بنسبة 79 بالمائة، يليه كل من الإحباط وضُعف الإنتاجية بـ 44 بالمائة لكل واحد منهما، الاضطرابات في الأكل والنوم بنسبة 42 بالمائة، ثم الإنعزالية وكُره الذات بنسبة 25 بالمائة”.

حلول بديلة

ويُشير البحث إلى كون الأجراء المغاربة، غالباً ما لا يلجؤون إلى الأطباء أو الإستشاريين، للبحث عن حلول لأعراض الإكتئاب التي تلم بهم، غير أن الخبير البلجيكي “Martin Wauthy” يؤكد “أنهم رغم كل هذه الضغوط النفسية، فالأجراء المغاربة يجدون بعضاً من الراحة في سلك سُبل مُفيدة أو مُتطرفة أحياناً للتخلص من مُعاناتهم، “إذ يعمدون لممارسة الرياضة بنسبة 42 بالمائة، تغيير مجال العمل بنسبة 32 بالمائة، الدخول في تقاعد مبكر بنسبة 20 بالمائة، تناول عقاقير مضادة للإكتئاب بنسبة 15 بالمائة، استهلاك المخدرات والكحول بنسبة 8 بالمائة، أو استشارة طبيب مُختص، والتي تأتي في ذيل اللائحة بنسبة 7 بالمائة”.

الإكتئاب.. وأشياء أخرى

أما مُسببات الإكتئاب في صفوف الأجراء المغاربة، فلم تختلف كثيراً عن مثيلاتها لدى نُظرائهم في المجتمعات الأوروبية، حيثُ أوضح البحثُ، اعتماداً على احصائيات مؤسسة “Solidaris”، أن “وتيرة العمل وكثافتهُ تبقى الأكثر تأثيراً بنسبة 26 بالمائة، العنف الجسدي أو المعنوي مع زملاء العمل أو الرؤساء بنسبة 26 بالمائة كذلك، ظروف العمل غير المناسبة بنسبة 19 بالمائة، خلط مشاكل العمل بالمشاكل الشخصية بنسبة 18 بالمائة، غياب الأفق بنسبة 6 بالمائة، ثم الخوف من فقدان العمل بنسبة 5 بالمائة”.

وتبقى أماكن العمل أبرز البيئات التي يتدارسها الخبراء منذ عقود، إذ وصفها بعضُهم بأنها “النوادي الاجتماعية الحديثة”، حيثُ أشاروا إلى أن أشخاصا من مختلف الأعمار والخلفيات يجدُون أنفسهم معا بدون أي إشعار أو اختيار، ومع ذلك يكون عليهم قضاء بضع ساعات معا يوميا جنباً إلى جنب، وفي ظروف مشوبة بالتوتر في الغالب، مما يزيد احتمالات تكوين إما روابط متينة للصداقة، أو نسج عداوات.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية