الاتحاديون

كشك | 7 يوليو 2017 على 19:27 | آخر تحديث 25 يوليو 2017


183

الاتحاديون كتابٌ، وأكاد أقول ما لا يستقيم في التعبير المنطقي، كتاب مُرٌّ…  لم يعد يستذوق طعمه المُنَفّر إلا تلك الفئة الناجية، الضالة من وجهة نظر الخصوم الاتحاديين أنفسهم قبل غيرهم، التي وجدت فيه أوراقا دفينة لا يمكن أن يقرأها وأن يفك رموزها إلا الظرفاء البراغماتيون الذين عرفوا، عن يقين تام، من أين تُؤكل وتُمْضَغُ أكتاف السلطة بالولاء لا بالأسنان… ولم تكن كِسرة ليِّنَة المُضَاغ.

لعلك تريد مني غَصْبا، أمعنتَ في الطلب أم لم تمعن، أن أتكلم لك عن الكتب بالجمع، عن الكتب المُرّة التي لا تستطاب مطلقا لأن ريحها فواحة نتنة… لاعتقادك (بأنني أعتقد) أن ذلك هو واقع الحزب ومَعْنَاه ووضعه وحالته العاطفية والنفسية قبل السياسية. لا يا أخي الاتحادي، فهذا الحزب حالة تاريخية تفاقَمَ من حولها على الدوام، وفي ذلك سر (وطني) خبيء من أيام المقاومة التي خلَّفت الاستسلام، المتخاصمون والمؤولون و(شماكرة) السياسة والنوسطالجيون والأفّاقون وخدام السلطة والمهديون والبوعبيديون (ابنا عن أب) والعمريون واليوسفيون واليازغيون والأمويون والأشكريون والأشعريون والزيديون والبرينيون والمالكيون والولعلويون والراضون والبصريون (منه وقبله إلى آخرهم) من الدهكونيين والبنونيين… والرحمة على الأموات كما على الأحياء منهم، ناهيك عن الأمنصوريين، والفرقانيين والقرشاويين… إلى الوافدين الجدد الذين انضموا إلى الحزب، فزادوه ألما وزادوا ألمه معاناة وهذه بَرْحَا، فماتوا في الصمت، ولعلهم انسحبوا في هدوء لا يأبه به هذا الخجل السياسي الذي أصبح يخنق القول في مغرب يزداد الخصام عنتا بينه وبين مواطنيه الصامتين الصابرين على جميع المكاره.

أنا لا أتكلم عن الحزب كما عرفتَه أيها الأخ الاتحادي، ولا كما عرفه أغلبنا، ولا أتكلم عن مجراه وتطوره وأسْنانِهِ المُعارِضَة في أيام الشدة واللين، بل ولا أستطيع أن أتكلم عنه إلا من الخارج، لأنه لم يسبق لي أن كنت اتحاديا لا بالولاء ولا بالانتماء ولا بالعداء، بل… بل لا أستطيع أن أقول فيه أكثر مما يعرضه علينا اليوم كل من غادر مجراه، بعْد انتفاعٍ أو بدونه، عن خلافٍ مُدمّر أو من عياء وأسف، بكثير من الارتباك وبغير قليل من التفكك، كأن الاتحاد، وهو الذي كان جامعات مستقلة لحزب الاستقلال حين سحب الثقة من هذا، أصبح فُرْقَة أو هو الفرقة التي شذرت ومذرت بالجميع… وأعني بمن فيهم الأموات الذين لقبوا أيام النضال بالشهداء، والشهداء الذين عميت ألقابهم في صدورهم من شهادة الغيظ أيام المشاركة. ولا أتكلم عن التشفي، لأن جميع الاتحاديين الذين أكلوا من لحمِه المُكافح وغسلوا أياديهم من مَرَقِه السياسي بعد أنْ لم يبقَ فتات على مائدته الشهية، انفضوا عنه مزكومين بعد أن (ارتفعتْ ريحُ جيفةٍ) تلاحقهم حيثما وُجِدوا في المرابض الجديدة.، لا يهم إن كانوا متعاونين متخابرين في  ما بينهم أو متآمرين في سبيل أنفسهم ومستقبل أبنائهم. إنني أشعر بأن الموتى هم الخالدون أبدا في المعارضة الاتحادية، من الشهداء إلى العملاء أُدْمَة ومُلْحًة.

من تحزب لم يَخُن

لا أتكلم عن الحزب الذي جعله عزيزنا إدريس مرتعا خصبا لكثير من الأهداف والشهوات، ومرعى لغير ما باحث عن كلأ رَطْبُه ويابِسُه… أنا أتكلم، بنوع من اليقين تقريبا، عن الأشياء العمدة، عن الفكرة وعن المسار وعن التضحيات وعن الشهداء: لا يهمني في ذلك إن كانت الفكرة غامضة غير صريحة أو يخالطها التباس لحظات القمع والمساومة والعناد والاستسلام، ولا يهمني بتاتا إن كان المسار مستقيما فاعْوجَّ في الطريق إلى السلطة. ولا تداويني منه التضحيات ولو كانت في سبيل (القوات الشعبية) التي اصطفاها لنضاله. ولا يحق لي أن أبارك للشهداء بعد الممات أية تضحية لأنهم آمنوا، قبل الرصاصة التي استقرت في صدورهم، بالحق المبجَّل. أنا من الماضي وإذن أنا أفكر. أما البقية الباقية من الفُضْلَة ففي غيهم يعمهون من كثرة الإشاعات التي انبرت في وجوههم تتهمهم، مع الاعتراف لهم في بعض الأحيان بقرينة البراءة، بما يُتَّهَم به التطور عادة من تَغيُّر. فلن تجد اتحاديا واحدا لا يعترف في وجهك بالتطور الذي في معنى التغيُّر وإلا عُدَّ ماضويا من أيام الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال.

أريد القول إن الاتحاد فكرة حين صارت حركة، وحركة حين تحولت إلى معارضة، ومعارضة يوم تفرعت إلى انقلاب ومساومة. ومنذ أن تخلى الاتحاديون، في صمت مريب لعله لم يعن للرافضين إلا الخلاص، عن (التقرير الإيديولوجي)، تخلوا، في الواقع، عن عقولهم كحماة للقوات الشعبية وأسلموها، بوحي وقرار، للبرغماتية اللاّهية… تلك التي كانت قد سبقتهم إلى كنف السلطة طلبا للرقص مع الجماعة الراقصة على إيقاع النشيد الوطني. أما ما جاء بعد وفاة ثلاثة منهم: عمر بنجلون الذي ضَحَّى  وَسَمّى وعيَّد به الإسلامويون، ومحمد باهي حُرمة الذي خذلته الجريدة في بحثها عن السبق الصحفي والإعلانات الإدارية، ومحمد عابد الجابري الذي عاد إلى نفسه لترويض القناعة الفكرية لأنها (حَجَرُ الفلاسفة)… عندما مات هؤلاء، مع التأكيد على أن أسباب الوفاة مختلفة، جاء اليتم لتعزية النقاهة، وعمّ الشعور بأن الله يمهل ولا يهمل، أما البيت القديم فلم يبق فيه إلا الجدار الصامت بعد أن هجره، على فترات، أول الصامدين مع آخر الوافدين. وهكذا صار من المحتم أن يصبح الهروب بآخر العبارات الإيديولوجية الداعية للتحرير وللاشتراكية وللمعارضة رحيلا نهائيا إلى حيث المنهجية الديمقراطية (حبيبة بعض اليساريين)، وإلى الأسرار التي ضمها الرجل القدير عبد الرحمن اليوسفي إلى صدره فلم يَعْفُ عنها، وإلى جميع النساء الاتحاديات، بمن في ذلك الأطلسيات المنسيات عمدا، وإلى وإلى… أي إلى الرموز التي يعني استذكارها مزيدا من السأم، بل ولا يفلح استذكارها إلا في (تفعيل) واستدرار أوجاع النحيب والألم.

أنا في حل مما قاله رفيقي الماركسي اللينيني المعارض الأشم في تدوينة له على الفايسبوك أرغى وأزبد فيها بحمية ونوسطالجية في وجه الاتحاد الاشتراكي قائلا: (إدريس لشكر يُطعِم الاتحاد الاشتراكي فتات موائد المخزن. هل يقبل الاتحاديون أن يصبحوا ضباعا تتقوت على الجيفة؟ لماذا تفرطون في تاريخ الحزب ورصيده؟ إنكم تضعون أنفسكم أمام المحاسبة وقد تكون لعنة التاريخ). الله عليك يا تيتي يا حبيبي، يا قاهر اللذات وصادم الرَجْعَات. الساعة قبل منتصف الليل حين مضى على تدوينة الرفيق أربع دقائق. ألم تنم يا تيتي بعدُ من كثرة النضال السياسي اليومي؟، وهل يستحق دماغك المسؤول عن التنظيم والتوجيه والانضباط كل هذا الانشغال المضني بقضايا النخبة والمخزن؟ لماذا ينشغل الماركسي اللينيني الرافض لجميع التسويات البورجوازية بحزب يسير إلى زوال وبحكومة اقتضاها الوقت الإسلاموي الحاقد في المغرب السائد؟.

على سبيل الختم

صافي، هذا ما بَقِيَّ! أن تأتي بعد غيبة، ولستَ شيئا، لتقذف في وجوهنا المطمئنة، ونحن في الحكومة الإسلامية المقررّة، سمومك التاريخية والإيديولوجية. سير الله يعطيك الويل والما والشطابة والبئر التي يجب أن تستر عيبك… تماما كما كان يردد على مسمعي أبي الشامخ في علياء الرحمة. ومع ذلك فأنا (أعرفُني) وأعرف بأنني سأُتَّهَم بالولاء لجهة ما، وأن في مخططي الجهنمي، وهو مخطط قديم نشأ مع نشوء الاتحاد وكبر مع كبره وشاخ مع شيخوخته، محاولة يائسة للنيل تباعا: من المغرب، لأن الاتحاد هو المغرب  كما عرفنا من الاتحاديين المُطْلقين، ومن التاريخ، لأن الاتحاد هو التاريخ الذي لم تساوم المقاومة على استقلاله إلا حين أدمِجت في الجيش، ومن الشهداء لأن الاتحاد هم الشهداء الذين حين رحلوا في أوج زمن الرصاص غنموا من الذكرى نِعْم الوفاء، ومن النضال لأن الاتحاد منذ أنْ استفاق وعينا من القَلْبة ونحن نسمع، سرا وجهرا، بأن الاتحاد قوة وهو النضال. علينا أن نعرف اليوم، اليوم فقط، أن هذا النضال ليس هو الاتحاد بطبيعة الحال… مع الاعتذار الحار لجميع أولئك الذين سيشعرون، إن قرأوا هذا الكتاب، بخلاف ما في هذا القول الحرام من كلام.

سيقول الذين أعرفهم في الحزب، وهو الذي كان عتيدا، صارخين من بُهات: ما لهذا المغبون الذي عيّره الربّاح (أقول الربّاح وليس النبّاح)، بالصِّغَر والنهاية غير المتوقعة وما إلى ذلك في الدفاع عن كبيره الذي علمه السحر، ما له يفتح فاه لكي يلقي أراجيفه في وجوهنا وعلى تاريخنا وبقايانا؟. وأقول لهم: إن الاتحاد تربتنا الجدباء التي احتبس ماؤها التاريخي العميم. وأقول لهم إنني معتقد بأن عمر بنجلون لو كان موجودا على قيد الحياة، ولو لم يُروّع (مطيع) حياته بالأباطيل والادعاءات والبهتان وبالقذف في ملته السياسية والإنسانية، لقال لي: اضرب بالقوة التي تراها ضرورية للهدم، وانتقد بالقوة التي تبغيها وتبغيك للنقد، وقل ما تشاء لأنني ودعتكم في الوحدة وفي التقرير الإيديولوجي… وها أنتم الآن، أيها الأشياع الطامعون، في البرية السياسية في انتظار السفينة الإسلامية… بعد أن سبقكم إليها طارق الذي لم يحرق السفن (مع الاعتذار من الحياة لصديقي الميت مصطفى المسناوي).

سأستنجد بمن عرفت في السجن من الفلاحين المقاومين السُّذج، ومَن عرفت منهم من المثقفين العضويين الذين تركوا مصيرهم إلى الأبد بين الأسوار المنيعة، رغم أنهم خرجوا من الأسر بجميع التسويات التي افترضها الحزب لتحرير رقابهم من قبضة الحسن الثاني… وما ذلك إلا لأنني لا أعرف أولئك الذين رُبِطوا، نساء ورجالا وأطفالا، إلى السلاسل المتصلة في (أنفا) حتى إذا أراد الواحد أن ينقلب على نفسه انقلب وقلب معه الجميع وإلا التوى عليه العقال، أما إذا سمحوا له بالتبول بال على الجميع أو بالوا عليه جميعهم… فهكذا استطاع إرهاب الدولة أن يوحِّد، لأول مرة، بين جميع المقموعين بدون تمييز طبقي. ثم كيف لا أذكر المطاردين بين صخور (مولاي بوعزة) ووهاد (تنغير)، أولئك الذين سلطت عليهم المروحيات نيرانها المحرقة، وسوت آمالهم مع الحجارة الصلدة. بقي أن أقول في الناجين منهم إنهم ماتوا على فطرة المقاومة قبل أن تعرف البرغماتية إلى قلوبهم طريق الترغيب، كما أنهم لم يتغزلوا في النضال لأنهم كانوا على ملة أبيهم في الدفاع عن حوزة صاغها الفقيه في المنافي.

أما بعد، فإني أرى أن الاتحاديين اقتنعوا أخيرا جدا بأن من سنن السياسة الوقتية أن يكونوا متفرقين. ويهمني، ولو من بعيد، أن أقول لجميع الخارجين من عباءته: يا أنتم، ويا حسناء، هيا ادخلوا توا إلى فيافي الحنين اليساري الاشتراكي غير الموحد. أقصد: دعونا نبدأ صفحة جديدة ليس في سطرها الأول إلا التيه الذي لا يستقيم مع الإيديولوجيا، فمن الطبيعي أن تكون النهاية هي البداية الأخرى. وبهذا أدعو، أي بما يدعو به المؤمن لنفسه ولغيره في أوان الشدة وساعة الملمات، لمن بقي من أصدقائي الحائرين في الاتحاد، بكل أنواع الصبر وأشكال السلوان، لأن بيتهم التقليدي، وواأسفاه، أصبح في المزاد العلني.

لا تردوا على كلامي لأنني لا أهجو، في الواقع والذات، إلا تحولاتي الفكرية وغيرها، ولا أمدح، في الواقع والذات، إلا الأزمة الضارية وغيرها.

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية