البام .. الفكرة وإكراهات الواقع

كشك | 4 أكتوبر 2017 على 13:43 | آخر تحديث 4 أكتوبر 2017


336

كتب الصديق يونس دافقير (الصحفي بجريدة الأحداث المغربية) مقالاً جميلاً، عنوانه “البام .. الفكرة أكبر من التحالفات المزاجية”. المقال فتح شهيتي للنقاش، والتفاعل معه إيجابا. لكن قبل الغوص في الأفكار والأسئلة التي أريد طرحها، أود أن أشكر الكاتب لأنه أكَد من خلال مقاله، بطريقة غير مباشرة، فكرتين أعتبرهما أساسيتين : أولهما أن حزب الأصالة والمعاصرة، الحديث النشأة، ليس سبباً في المشاكل التي عاشها المغرب منذ الاستقلال، كما يحاول البعض الترويج له، بل هو حزب أسس ليكون جزءًا من الحل. وثانيهما أننا نعيش اليوم داخل الحزب، بعد تسع سنوات على تأسيسه، مرحلة الحسم بين تيار “الفكرة” وتيار “التحالفات المزاجية”.

هذا التأكيد، الغير مباشر، سهَل عليَ المدخل للتفاعل الإيجابي مع المقال. فنحن فعلاً اليوم داخل الحزب نعيش مخاضاً صعباً يجعلنا أمام خيارين لا ثالث لهما : إما أن نتشبث بالفكرة الأصل، التي تأسَس عليها الحزب، ونعالج الاختلالات التي وقعت (وهي اختلالات عادية داخل أي تنظيم يقوده البشر)، أو أن ننساق وراء مزاجية بعض القيادات ومنطقها الانتهازي.

البام كحزب تأسَس ليشكل بديلاً في الساحة السياسية المغربية، وليوقف زحف الإسلاميين القادم والذي لم يكن يخفى على أحدٍ آنذاك. فهل فعلاً توفَقنا كحزب في الوصول إلى هذين الهدفين ؟ وبأية وسائل ؟ وبأية معايير يمكن الحكم على مسار الحزب إلى حدود الساعة ؟ هل بالمعايير الأكاديمية التي تدرس في كليات العلوم السياسية، أم بمعايير الواقع وإكراهاته ؟

صحيح أن نشأة الحزب لم تكن نشأةً عادية، بالمعايير الأكاديمية، لكن هل الظروف آنذاك كانت ستسعفنا لتكون النشأة عادية ؟ هل سرعة زحف مد الإسلاميين كانت بطيئة بالشكل الذي يمهلنا الوقت الكافي لتكون نشأة الحزب نشأةً عادية ؟

مدخل الجواب على هذه الأسئلة نجده في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أكدَت قدوم تسونامي الإسلاميين الذي تنبأ به المحللون قبل وجود “البام”. وأكدت كذلك، بمعايير الواقع وإكراهاته، سلامة الطريقة التي تأسَس بها البام والتي جعلته يقف اليوم سداً منيعاً في وجه هذا التيار بكل أذرعه. لم نستطع إيقاف الزحف، لكن استطعنا الوقوف في وجهه والتصدي له لكي لا ينفرد بالساحة. فهل نسمي ذلك فشلا ؟

هل من المعقول أن نوقف، في تسع سنوات، زحفاً ابتدأ منذ أكثر من ثلاثين عاماً يستغل الدين و يحرك معه أخطبوطاً إسمه “حركة التوحيد و الإصلاح” ويستعمل أموالاً مجهولة المصادر لا نعرف أولها من آخرها ؟

إيقاف الزحف يبدأ بالوقوف في وجهه أولاً، وبكل الوسائل، وهذا ما نجحنا فيه ولا أحد يمكنه أن ينكر ذلك.

بأية وسائل ؟ لنناقش !

معظم من ينتقدون البام يتهمونه بجمع الفاسدين والأعيان. وإن كان هذا حقٌ يراد به باطل، فإنه لا يمكنني أن أنكره كليَاً. وهنا أريد أن أتساءل :

–         بخصوص الأعيان : هل البام هو الحزب الوحيد الذي ينتمي إليه الأعيان ؟ وهل هؤلاء الأعيان ليسوا مواطنين مغاربة من حقهم ممارسة السياسة داخل الهيئة التي تناسبهم ؟ هل هناك قانون يمنع الأعيان من الانخراط داخل الأحزاب ؟

–         بخصوص الفاسدين : هل البام هو الحزب الوحيد الذي ينتمي إليه أشخاص تبث تورطهم، بعد انخراطهم في الحزب، في قضايا فساد ؟ أ لم تثبت التجربة أن الفساد موجود داخل الحزب الذي يدعي بأنه يمثل الإسلام وقيمه ؟

 

لا يمكن أن نعاتب أي حزب لأنه فتح باب الانخراط، كما ينص على ذلك قانون البلد، في وجه المغاربة، لكن يجب أن نحاسبه على الإجراءات التي اتخذها في حق كل من ثبت تورطه في قضايا فساد. وأظن أن البام، منذ نشأته، أعطى دروساً كثيرة في هذا السياق !

صحيح كانت هناك إختلالات تدبيرية منذ النشأة، لأننا فتحنا الأبواب أمام أناس لا يملكون رأس مال غير أسماء نسبهم وأرصدتهم (لا أعمم)، وفتحنا الهيئات التقريرية أمام مجموعة من الموهوبين في التسلق (لا أعمم). لكن هذه كلها أشياء يكشفها التراكم والتدافع، ولا تظهر في بداية الأمر. قد تكون النوايا سليمة أحياناً، لكن الممارسة هي التي تكشف خبايا الأمور بعد ذلك.

الشيء المؤكد هو أننا نعيش اليوم مخاضاً جديداً، بعد مخاض “النشأة” ومخاض “فرض الذات”، يمكن أن نسميه مخاض “الهوية”. فهل نريد أن نكون اليوم حزباً مختلفاً يؤمن ب “فكرة” ويملك “مشروعاً مجتمعياً” يسعى إلى تنزيله ويأخذ الوقت الكافي لذلك ويستعمل كل الوسائل المشروعة لذلك  ويختار “الأصلح” و ليس “الأقدر”؟ أم نريد أن نكون حزباً عادياً يستعمله أصحاب الأجندات الخفية كقنطرة ويخضع لمنطق تحالفاتهم المزاجية ؟

أظن أن المجلس الوطني القادم للحزب سيجيب على الكثير من هذه الأسئلة.

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية