البوليس والجدارمية: “الله يخرّج سربيسنا على خير”

كشك | 12 سبتمبر 2017 على 13:27 | آخر تحديث 12 سبتمبر 2017


300

عند مشاهدة فيديو الاعتداء على عنصرين من الدرك الملكي، تذكرت فترة قديمة، كنت خلالها في حالة فرار مطلوبا من أمن مراكش في قضية محاكمة طلابية ببهو كلية الآداب لعون سلطة كان يتسلل ويندس وسط الطلبة، قبل أن يُلقى علي القبض من قبل الدرك، في المنطقة نفسها، التي وقع فيها الاعتداء، الصويرية، أو الصويرة القديمة، التي تبعد بثلاثين كيلومترا عن آسفي جنوبا.

في ذلك الوقت (1982)، كان للدرك سطوة ومهابة وتوجس، بحكم تكوينهم العسكري، وتعاملاتهم الخشنة والعنيفة لحد البطش، وكان الناس يهابونهم لحد الرعب… لكن اليوم، كما يوضح الفيديو إياه، تابع المشاهدون أطوار اعتداء مهين على عنصرين من الدرك، خلال عملية اعتقال أحد المتهمين بترويج المخدرات، وظهر بوضوح التدخل العدواني لابن المتهم لفك والده من يدي الدركي، وخلال ذلك، جرى الاعتداء، وتمزيق الزي الرسمي، أمام أنظار أناس متحلقين اكتفوا بالتفرج…

إنه نموذج آخر من الحالات، التي انبنى عليها ملحق “ملف الاثنين”، لعدد أمس، حول انهيار القيم لدى المغاربة… إذ هناك عملية مهمة للدرك، واستماتة شُجاعة في مواجهة كل محاولات الإفلات من الاعتقال، وخلال المقاومة الشرسة للمتهم وابنه، كان الدركيان يتعرضان للاعتداء دون أن يتدخل الجمهور لتقديم المساعدة لشخصين في حالة خطر…

تماما مثلما جرى في قضية فتاة الحافلة، مع الفارق البسيط في الوقائع.. لكن، على مستوى التداعيات، هناك فارق جوهري، ففي قضية الحافلة، أقامت الجمعيات الحقوقية والمدنية الدنيا ولم تُقعدها، وفي قضية الصويرية، ضَربت “الطم” على ماجرى لدركيين كانا وجها لوجه مع خطر داهم حقيقي أثناء قيامهما بواجبهما الوظيفي…

فباستثناء فرع لهيئة حقوقية حديثة التأسيس لا يتعدى عمرها سنة اسمها “الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب”، استنكر ما تعرض له الدركيان من اعتداء، فإن باقي الهيئات الحقوقية والمدنية لاذت بصمت القبور…

بخلاف ذلك الزمن الماضي، الذي لا يمكن الحنين إليه بأي حال، أصبح عنصر الأمن، اليوم، دركيا كان أم شرطيا، في وضع هش، حيث أقصى ما يطالب به هو انتهاء المشوار الوظيفي بخير، أو كما يقول أي بوليسي أو جدارمي “الله يخرّج سربيسنا على خير”… فهؤلاء النساء والرجال، الذين يشار إليهم بالبنان ويهابهم بعض الناس، أضحوا، بدورهم، يخافون من غدر الزمان، أمام تنامي السلوك الإجرامي ضدهم، من قبل أشخاص ما عادوا يهابون لا الزي الرسمي ولا غير الرسمي، وأضحت اعتداءاتهم تخلف ضحايا أمنيين، يفقدون فيها حيواتهم، أو تصيبهم بعاهات مستديمة، والأمثلة متعددة…

ما علاقة هذا الحديث عن الأمن والإجرام بحقوق الإنسان؟ الإجابة في مشاهد فيديو درك الصويرية، لنقلب الآية، ونضع للقصة سيناريو مغايرا: تدخل قوي للدرك، أدى إلى تمزيق ملابس المبحوث عنه… سينتفض الفايسبوك، وستندلع احتجاجات، يتصدرها بعض من بات محترفا للوقفات، وقد تصدر بيانات تنديد من بعض جمعيات حقوق الإنسان… أليس هذا ما كان سيقع؟
طيب، لنعد إلى الواقع، وما جرى فعلا: دركيان تعرضا لتعنيف خطير كان يمكن أن يتطور إلى ما لا يحمد عقباه. هل تضامن أحد مع دركيين يضحيان بنفسيهما في مواجهة الجريمة؟ هل تحركت الجمعيات، وأبدع الفايسبوكيون الهاشتاغات، وانطلقت الدعوات إلى تنظيم احتجاجات؟ لا شيء وقع، لا وقفة احتجاج، ولا تنديد ولا تضامن… قد يكون هذا الغياب ما دفع البعض إلى كيل اتهامات، أحيانا مجانية، لجمعيات حقوقية، باعتبارها تحرض على الإجرام، إضافة إلى بعض الدعوات الانفعالية الارتدادية الخطيرة، التي تعبر عن تمني عودة تسلّطات الزمن الرصاصي، أو عودة فرق التدخلات التعسفية، التي أسسها الجنرال حميدو العنيكري، المعروفة شعبيا باسم “كرواتيا”…

مهما كانت المبررات، قد نوجه النقد البناء لهذه الجمعية أو تلك من التنظيمات الحقوقية، لكن ليس إلى حد التشكيك في احتجاجاتها، وتكريس نظرة قاصرة، تجري إشاعتها، بشكل مريب، لدى الأوساط الشعبية، مفادها أن استفحال الجريمة مرده إلى “حقوق الإنسان”.

إن ما ينقصنا، وهذه ملاحظتنا، هو التحلي بنظرة موضوعية وشمولية ومتوازنة للأمور… وإن ما ينقصنا، بالتبعية، وبالأساس، أن يتحمل كل منا مسؤولياته كاملة، في مختلف مواقع وجوده، واعتبار الأمن، تماما مثل باقي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عنصرا عضويا من منظومة حقوق الإنسان. الجميع مطالب بالتحرك أولا. والتضامن حق للجميع ثانيا، فذلك الدركي أو الأمني قد يكون أباك أو أخاك أو قريبك، يجري عليه ما يجري على كل أبناء هذا الشعب… أما قضية “حماية الدولة”، فمسألة أخرى، قد تُحصّن الأمني، لكن تفرض، بالمقابل، الالتزام بحكامة أمنية، حتى لا يتحول “حاميها إلى حراميها”…

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية