الحداثة الشعبية ودوغمائية نخب “الثقافة العالمة”

كشك | 14 أغسطس 2017 على 12:08 | آخر تحديث 14 أغسطس 2017


457

لن نضمن نجاح استراتيجية النضال الحداثي المتضامن إلا ببناء استمرارية مسائلة قلقة، لا تطمئن لمنطق البديهة و لا تكتفي بحكم المسلمات.

استمرارية نقدية تراكم الشك و تمارس وضع الأسئلة الكبرى دون الارتهان للأجوبة الصغرى ذات الأفق المحدود. لأن دور الأسئلة هو خلخلة بنية فكرية قائمة جامدة، و العمل الدؤوب لإعادة تشكيل صرح فكري متطور، لا يكتفي بالوصف  المؤدي عادة إلى دخول “سجن أحكام القيمة ” بل يسعى نحو التحليل المعبر عن موطن الخلل، والتركيب المبني على وقائع الطبيعة و انتظارات الإنسان. وهونفس الدورالذي ينبغي أن تعيه نخب ” الثقافة العالمة ” بين ممارساتها وإكراهات المحيط العام الذي هي جزء منه بحكم غاياتها التي تريد أن تحققها داخله و ليس خارجه.

إنها المحايثة التي تجنبنا الوقوع في طوباوية حالمة و تقينا شر”خلق العوالم ” دون القدرة على تصريفها. فاستراتيجية النضال الحداثي المتضامن هي استمرارية نقدية مسائلة للأرض الحاملة للخطى والنور البعيد الذي نرنو إليه دون الإصابة برهاب الظلام. فكما الليل الدامس بظلاميته المثقلة للخطى، والباعثة على اليأس و القنوط و الملل، كذلك  تبعث الأضواء البراقة الكامنة في الأجوبة الصغرى على الزهو الفارغ و النرجسية القاتلة التي تعيش هالتها ” نخب الثقافة العالمة ” وتبني عليها مظلوميتها بل تسميها اغترابها بتلذذ مفرط داخل الشرنقة الخلابة، و بين ثنايا ثقافتها ” العالمة ” تخفي عجزها و اتكالها.

تماما مثلما يتلذذ الداعية، الفقيه المفتي ، بنصوص العتاقة و فصاحتها ليخفي عجزه وخوفه من فتح باب الاجتهاد. ثم ينظم المثقف و الداعية معا الى خانة ” العقل المستقيل ” و يفتحان المحيط العام على المجهول السياسي في مسرحية التنابز بالألقاب.

إن الاستمرارية النقدية هي عصب ” استراتيجية النضال الحداثي المتضامن ” بين ما ترسب في قعر المجتمع و ما يستدعيه المحيط العام من مساءلة الذات أولا. فهل نمتلك المناعة الكافية لنقد التفاصيل قبل أن نطالب المحيط بالحصانة؟ و هل نتوفر على ثقافة ” المَنْجَمِي ” قبل أن نتقلد منصب ” المُنَجِّم ” ؟ .

لذا فالاستراتيجية في عمقها الثقافي المتنورهي هذا التسلح الدائم و الواثق بقابلية التكيف مع المستجد دون الانشداد إلى ” دوغمائية المثقف ” التي لم تسفر إلا على تقوقع يكتفي باستحلاء لحظة الدهشة حين تتوالى صدمات الحداثة. و لا يعني النقد المستمر جلد الذات بل تطويعها بما يخدم قابليتها للتطور، إذ أن بناء وهم الحقيقة المطلقة في تصديق مجريات الأمس أو الثقة الساذجة في المستقبل لن يحشر الذات إلا في وهم طلاء ” الغرفة المظلمة”  كل يوم بلون مزاجي.

وقد تتعدد الألوان البراقة غير أن ” الغرفة ” تأبى إلا أن تظل ” مظلمة ” تحجب جدرانها القزحية الأفق البعيد ، و تصيب العقل ب ” عماه الثقافة العالمة ” ، و هو الذي معه تعددت الرموز الانتخابية و تشابهت ظلمات غرفها.

و إذا كان رهان ” الشعبية ” بالنسبة  لإستراتيجية النضال الحداثي المتضامن لا يعني فقط إدعاء الانتماء للقاعدة الشعبية بل الإنصات الدائم لمحتملها، و التبئيرعلى قوة ركائزها، وجعلها المحرك الأساس لكل ارتقاء و صعود.

فكذلك رفع لواء” الحداثة ” لا يختزل فقط في ادعاء المسايرة و المواكبة و تقفي آثار الشعوب المتقدمة ، بل هو نقد إواليات المنعطفات التاريخية الكامنة في عمق الثقافات المحلية، ورصد نقط ضعفها والتركيزعلى مكامن قوتها بما يخلق الإنسجام والتناغم داخل بنية ” العقل الشعبي ” بشكل يحتفظ له بخصوصيته ويجعل منه آلية مستعدة دوما لخوض غمار التطور. فاستراتيجية النضال الحداثي المتضامن هي ممارسة جدلية الكائن الغاضب والمغضوب عليه بين موقعيه المختلفين، وهي تستحضر قلقها الوجودي دائما باطمئنان و بروح نقدية لبواعث  هذا القلق من داخل ” العقل الشعبي”.

و هو ما يستوجب بماهية الغايات استثمارالغضب إذ شتان ما بين المغامرة والتهور.  فاستراتيجية النضال الحداثي المتضامن وهي تولد من رحم الثقافات المحلية إنما يستوي عقلها المعرفي بالارتكاز على مفهوم ” ما بعد النقد “، لأن نخب ” الثقافة العالمة ” أصبحت ملزمة بتحيين أدوارها و وظائفها في البحث عن نقد و تفكيك  استراتيجية النضال الحداثي المتضامن قصد تطويرها، وضمان إفراز رؤيتها السياسية بعيدا عن أمراض التعالي والتسلط والانزلاقات التحريفية التي من شأنها إعادة إنتاج نفس السلوك السياسي الفاقد للهوية الثقافية و الانتماء الفلسفي.

ويجوز الختم بمثال النبتة التي نريد لها إيناعا خاصا ، وهي أيضا تريد محيطا خاصا. فلا بد أن نحتفظ لها بجذورها، إذ أن كل استئصال لهذه الجذور يشكل في العمق إغتيالا للإيناع رغم التفنن في تجميل المزهرية ، وكل قطع لها هو حكم على النبتة بالذبول رغم كل أشكال الاحتفال اللحظي بزينة تسرَ الناظرين فقط . لأن منطلق الإحساس بالسلم و السلام و التسامح و الآمان و الحرية و الكرامة و المساواة يتجسد في قوة التعايش بين الثقافات المحلية وعقلانية تشبعها بالقيم الكونية النبيلة.

و منه  فالإيناع ” حداثة ” و الجذور” شعبية “و ما بينهما إرادة ” الأنتلجنسيا المفكرة “، وهي تؤطر إيقاع ” الإيناع “من داخل المشتل لا من خارجه، تراهن على تفتح النبتة بقدر سقيها من جذورها، لأن المهمة التاريخية مضاعفة :

1- الاعتناء بالحاضر في أفق الايناع .

2- استيعاب المستقبل ضمن حركية  العقل و التاريخ .

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية