الخيمة بالأطلس المتوسط.. موروث معماري وثقافي يقاوم الانقراض

كشك | 9 أغسطس 2017 على 11:36 | آخر تحديث 9 أغسطس 2017


261

 

يرتبط الأمازيغيون في منطقة الأطلس المتوسط بعاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم، ورؤيتهم للكون. هؤلاء السكان الذين كانوا يعيشون حياة بدو وترحال، في بحث دائم عن الكلأ والعشب، نجدهم في الغابات والمرتفعات شتاء، ويفضلون العودة إلى السهول صيفا. تنقلات متكررة تفسر سكناهم بالخيام، وما يرافق ذلك من حياة البساطة والطبيعة.

وتمثل الخيمة رمزا ثقافيا عريقا بالمنطقة، يختزل أشكالا متنوعة من القيم والخبرات الانسانية الموغلة في القدم. وقد ارتبطت الخيمة بقساوة العيش والعزلة وسط الغابات. والخيمة الأطلسية بسيطة بساطة أبناء المنطقة، ومن خلالها استطاع الانسان الأمازيغي التكيف مع الطبيعة، والحفاظ على موروثه الثقافي، والتعبير عن هويته. والخيمة أيضا تمثل انعكاسا للتنظيم الاجتماعي العائلي والقبلي.

والخيمة الأطلسية هي عبارة عن بيت هرمي الشكل منسوج من الشعر، هذا الشكل الهرمي يساعد على مقاومة الرياح وتسرب الأمطار، وتراكم الثلوج. وتكون سهلة النصب والتفكيك، وهي متوسطة الحجم، يسهل حملها، إذ يبلغ اتساعها المتوسط من أربعة إلى ستة أمتار. وتتميز بلونها الأسود لأن شعر الماعز يمثل المادة الأساسية التي تنسج منها. كل هذه المميزات التي عرفت بها الخيمة الأطلسية، جعلت منها المسكن المناسب والمفضل للبدو الرحل، الذين يعتمدون على تربية المواشي وكثرة التنقل بحثا عن المراعي.

وصناعة الخيمة تأخذ وقتا طويلا، وجهدا مضنيا قبل أن تأخذ شكلها النهائي، وهي صناعة نسائية بامتياز، وتشترك العديد من النساء في عملية النسيج والخياطة والإعداد. وتحرص النساء أيضا على صيانتها، وتغطية النقص الحاصل في مكونات بنائها كلما حصل فيه خصاص. وتقوم نساء المنطقة بتجهيز خيمة للمقبلين على الزواج، وتبقى ملفوفة وجاهزة للاستعمال عندما تقرر الأسرة تزويج أحد أبنائها.

يبدأ صنع الخيمة بجز الماعز(تِلْسِي)، وهي عملية ترافقها طقوس وخصوصيات جديرة بالمتابعة، وتتم هذه العملية في فصل الربيع. وتقوم النساء بتنقية الشعر من الشوائب، وتمشيطه لعزل الشعيرات عن بعضها، ليتم الغزل ولف وفتل الشعر ليصبح خيطا سميكا. وبعد أن يجمع منه القدر الكافي، تتم تسديته.

ويتم نسج (إفلِيدْجْن)، وهي عبارة عن قطع مستطيلة الشكل، تمثل الوحدة الأساسية للخيمة. وعرضها يتراوح بين ستين وسبعين سنتيمتر، وطولها مرتبط بالطول المتوقع للخيمة. ويكون عددها بين سبعة واثني عشر، حسب حجم الخيمة.

ويتم إعداد (تامَادْلا)، وهي قطعة أقل عرضا من (إفليدجن)، وتوضع في الحواشي. وتتم خياطة تلك القطع وضم بعضها للأخرى، لتصبح في شكل قريب من الصيغة النهائية للخيمة. وبشكل لا يُدخِل أشعة الشمس الحارقة ومياه الأمطار. وتربط بإحكام وترفع إلى الأعلى بعمود طويل يدعى (أحمّار)، ويصنع من شجر الأرز، ويثبت في منتصف الخيمة، وتحُول (تِيزْمْنت) بين أحمّار، وثوب الخيمة، وهي قطعة خشبية مزخرفة ممتدة فوق أحمار بشكل أفقي. هذا الأخير، يأتي في وسط (تيزمنت)، بينما يُحكم رفع الخيمة ب(ثيرْسَال)، وهما عبارة عن دعامتين، تُشدان بإحكام مع (تيزمنت)، واحدة في طرفها الأيمن والآخر في الطرف الأيسر.

وتثبت أركان الخيمة بحبال من الصوف (ثيلُوفَاف)، وتُشد مع الخيمة بأخشاب مثلثة تسمى (أَخْريبْن) وتَشُد (ثيلوفاف)، الخيمة إلى الأوتاد، (ثيگُوسِين)، والتي تثبت إلى الأرض بإحكام. وتكون من خشب أو حديد لشد الخيمة. وتغلق الخيمة من جهاتها الثلاث بقماش متصل يسمى (إِسْگلاف)، ويوضع عمودان في مدخل الخيمة (إعْمْدَان).

وتقسّم الخيمة من الداخل بحواجز تسمى (ثِيمْشُوشِين)، وتُصنع من الصوف والحلفاء (طازا)و (آري)، ويخصص مكان ثابت للضيوف، إذ من خلاله يتم تعظيم آصرة الدم، وتقوية الصلات الاجتماعية، وتثبيت تماسك أفراد القبيلة، وأواصر التعاون الجماعي، المتمثل في عرف (تاويزا). ويُؤثّث مكان الضيوف بزرابي ومنسوجات تبرع في تزيينها أنامل المرأة الأمازيغية.

وتعلق بجنبات الخيمة أدوات متنوعة الاستعمال كالسّلال والأكياس المحملة بمختلف الألبسة والأطعمة، وبعض الأواني الخزفية المخصصة للزبدة والعسل والزيت.. ويخصص مكان في الخيمة للمطبخ (ألمسي)، وتوضع فيه لوازم الأسرة كالرحى، وغيرها. وتوضع فيه أحيانا حديثي الولادة من الغنم والبقر.

ولتفادي أي سيول مفاجئة، تحاط الخيمة بخندق صغير يُبْعِد المياه عن داخلها، وغالبا ما يتم اختيار مكان نصب الخيمة، في مكان مرتفع، كي لا تتعرض للسيول. ولأسباب أمنية كانت الخيام تُبنى على شكل دائرة أو دوار، ويخصص المجال الذي تحيط به الخيام لمَبيت الماشية.

 جواد الزروقي

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية