العلاقة بين القاصرة فرح والوزير الرميد

كشك | 1 أكتوبر 2017 على 13:25 | آخر تحديث 1 أكتوبر 2017


534

من تطوان إلى جنيف، هناك علاقة وثيقة بين القاصرة فرح والوزير الرميد، تكشف عمق الدرك السحيق، الذي تنهار إليه القيم والسلوكات والمشروع المجتمعي، الذي كان المغاربة بصدد بنائه والنضال من أجل تثبيت أركانه، خلال ما يقرب من عقدين من الزمن، قبل أن يتعرض للاهتزاز ويتداعى للانهيار، طوبة طوبة…

ليس صدفة أن يرفض مصطفى الرميد، باسم الحكومة المغربية، في جنيف، أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان، أي توصية يمكن أن تمنع تزويج القاصرات. مثلما ليس صدفة أن يلتئم قوم في حفل تطوان، ويجتمعوا على مباركة تزويج الطفلة فرح، التي لا يكاد يصل عمرها إلى 13 سنة…

هناك خيط ناظم، هو نفسه، الذي يحبط مختلف مكونات الحركة الديمقراطية المغربية، بالعمل الحثيث على الالتواء والالتفاف على كل عناصر التقدم في المشروع الحداثي الديمقراطي، في اتجاه قولبة الدولة والمجتمع وجرهما، رويدا رويدا، إلى هاوية الظلامية والتخلف والرجعية…

لنأخذ مدونة الأسرة، التي هللت لها العديد من الهيئات النسائية والحقوقية والمدنية، الوطنية والدولية، ولمقتضاها، الذي ينص على عدم تزويج الفتيات حتى سن الثامنة عشرة كاملة، لقد انطلقت بكثير من الآمال المفتوحة، وبدأت اليوم تنتهي إلى الأبواب المسدودة، والمقصود بـ”اليوم” هو عهد، مرحلة، شرع فيها الإخوان المسلمون بالمغرب، يهيمنون على الحياة العامة بالبلاد، عن طريق المؤسسات الرسمية والمجالس المنتخبة… ففي عهد حكومتي البيجيدي، ابن كيران والعثماني، بدأ يقع انقلاب أفقي وعمودي في العديد من البنيات المجتمعية، رغم النصوص القانونية، التي استُثمرت كل ثغراتها لفائدة التوجهات الإخوانية العامة، في اتجاه ما يمكن وصفه بـ”الردة”…

فإذا كانت نسبة زواج القاصرات، خلال اعتماد مدونة الأسرة سنة 2004، محصورة في حدود 18 ألف زيجة، فإن هذا العدد سيعرف تصاعدا انفجاريا في عهد حكومة الإخوان المسلمين، إذ ارتفع إلى حوالي 39 ألف زيجة، ليتواصل الارتفاع كل سنة، وهكذا ارتفعت نسبة زواج القاصرات في المغرب سنة 2013 بحوالي 3 في المائة مقارنة بسنة 2012، إذ تشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن عدد العقود المسجلة بلغ أزيد من 33 ألف عقد في سنة 2013، ثم ارتفع إلى أزيد من 35 ألف عقد في سنة 2014…

هذه الأرقام الصادمة تكشف أن المنحى العام، الذي بات يسود المجتمع، هو الردة والتراجع على المكتسبات الحقوقية، والمخالفة الصريحة للمقتضيات المتقدمة في الدستور، والتوجه المتدرج والحثيث نحو العصف المباشر والعملي، وبصفة ممنهجة، بالمقتضى الدستوري، الذي ينص على كونية حقوق الإنسان وسمو الاتفاقيات الدولية على المواثيق الوطنية…

في هذا العهد، بدأ الالتفاف عمليا على توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وبدأ الالتواء على خلاصات تقرير الخمسينية وعلى جوهره المتمثل في المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي… في هذا العهد، سجل الرأي العام الوطني والدولي الموقف الظلامي لوزير العدل والحريات آنذاك من قضية انتحار الطفلة أمينة الفيلالي (15 سنة) بسبب إكراهها على الزواج بمغتصبها، بناء على الفصل 475 من القانون الجنائي، الذي يسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب… في هذا العهد، طاب للوزير نفسه أن يهدد، علنا وصراحة، المواطنين المتورطين في الإفطار العلني وفي العلاقات الرضائية وباقي القضايا المماثلة، بأوخم العواقب من قبل الجيران والناس في الشارع، مما يعني تحريضا عمليا على ما يسمى “شرع اليد”… وفي هذا العهد، بدأت تتفاقم أعمال “شرع اليد”، وتنتشر حالات التسيب المرفوقة، أحيانا، بممارسة الحدود على الناس، في مؤشرات تنبئ عن نوع من التحضير والإحماء لإفراز عصابات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما حدث في حالات “صايتي” فتاتي إنزكان، والاعتداء الجسدي على مثلي فاس، والاعتداء المرفوق باقتحام منزل مثليي بني ملال، والهجوم على بيت مشعوذة سلا، واللائحة طويلة لحالات تعرضت لـ”عقاب جماعي”، دون محاكمة، وفي غياب تام للقانون، وللسلطات المكلفة بإنفاذ القانون…

في المحصلة النهائية، لزم تجاوز النظر إلى ظرفيات هذه الحالات المتواترة، للوقوف على الجوهر، وهو جر البلاد إلى قيم وممارسات بائدة، والتهييء لإحلال قوانين رجعية ومتخلفة لتأطير العلاقات داخل المجتمع، وبين المجتمع والدولة، تأطيرا يوجه ضربات ممنهجة لتخريب العديد من القيم والمعاملات التي تنتظم العلاقات الاجتماعية، الفردية والجماعية، لفائدة قيم بديلة، تتأسس على ثقافة إخوانية دخيلة، مطبوعة بالنكوصية والظلامية…

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية