“الغرّاق”.. يتبع للوزير أم لغرّاق كبير؟

كشك | 27 يوليو 2017 على 22:21 | آخر تحديث 27 يوليو 2017


258

أُثير كثير من الجدل حول نقل اختصاصات رئاسة النيابة العامة، منذ يوم الاثنين الماضي، حين صادق مجلس النواب، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 33.17، المتعلق بـ”نقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة”. قضاة النيابة العامة، هم من يُنظر إليهم، في المخيال الشعبي، باسم “الغراقة”، هل يتبعون للوزير، أم للوكيل العام للملك بالنقض “الغراق الكبير”؟!

جدل غير مفهوم، خصوصا من قبل “مجموعة الرافضين”، الذين تنامت أعدادهم، وعلا صراخهم، سواء من قبل نواب موجودين في أحزاب الأغلبية الحكومية، أو من قبل المعارضة ممثلة أساسا بحزب الأصالة والمعاصرة، فيما يُجهل، عندي على الأقل، موقف النائبين عن مجموعة فدرالية اليسار الديمقراطي… نقول “غير مفهوم”، بفعل الاتفاق، القريب من الإجماع، على المبدأ، أولا، وبفعل الإجماع في رفع شعار “استقلالية القضاء”، ثانيا…

استقلالية القضاء شعار ظلت القوى الوطنية والديمقراطية ترفعه، منذ السنوات الأولى للاستقلال السياسي، وتمكنت من إحقاقه سنة 1959، من خلال قانون المسطرة الجنائية، الذي اعتبر “وكيل الملك هو السلطة الوحيدة لتدبير الدعوى العمومية”، وفي التسلسل الإداري، “لم يكن تابعا لأية جهة”، بمعنى أنه كانت له، وليست لوزير العدل، سلطة تدبير الحراسة النظرية، والاعتقال، والمتابعة، ووصف الأفعال من مخالفة وجنحة وجناية والإحالة على التحقيق والإحالة على المحكمة والاستئناف والنقض والحفظ…

بيد أن انتقال المشهد السياسي، من نوع من التوافق بين الحركة الوطنية والقصر، إلى مرحلة الصدام، وسيادة الاحتقان في الساحتين السياسية والاجتماعية، أدى إلى دخول الدولة في قولبة العلاقة مع أبرز مكونات المجتمع، باعتماد المقاربة الأمنية، بصفة مصيرية واستراتيجية، وشكل القضاء بنوعيه، الجالس (قضاة الأحكام) والواقف (قضاة النيابة العامة)، مطية متاحة لتصفية حسابات سياسية… وهكذا شهدت البلاد حملات قمع شرسة، تُوجت بمسلسلات الاعتقالات، والمحاكمات، والزج بالمعارضين، سياسيين ونقابيين وحقوقيين ومواطنين، في السجون، اعتمادا على قضاء وُصف بـ”قضاء التعليمات”، وعلى محاكمات وصفت بـ”الصورية”. والحصيلة: انتفاضات جماهيرية، و”ضيافات” درامية في معتقلات سرية، من درب مولاي الشريف، إلى الكوربيس، أعقبتها محاكمات هوجاء، وزعت أحكام الإعدام والمؤبد والسنوات ذوات العدد على خيرة أبناء الشعب المغربي، في ما أصبح يسمى “سنوات الرصاص”…

وخلال هذه المحاكمات، وقبلها وبعدها، وداخل ردهات المحاكم وخارجها، كان المناضلون الديمقراطيون يرفعون أصواتهم بمطالب إصلاح العدالة، وفي مقدمتها استقلالية السلطة القضائية، التي كانت تستعملها الحكومات المتعاقبة من 1956 إلى 1999، لضرب خصومها السياسيين… ولهذا السبب، شكل مطلب استقلال القضاء، بالنسبة لكل الديمقراطيين، من المبادئ الأساسية لكل نظام قضائي حديث، يعطي الثقة للمتقاضين، فيفوضون للسلطة القضائية أمورهم المتعلقة بأشخاصهم وأموالهم ومصالحهم ومعاملاتهم، ويعطي الإحساس بالأمن والأمان للمظلومين في مواجهة الظالمين…

ولهذا السبب بالذات، ساهم الديمقراطيون في هذا البلد، إلى جانب الإرادات الحسنة، في صنع تجربة الإنصاف والمصالحة، التي بلورت توصيات وازنة لطي انتهاكات تلك السنوات الرصاصية، وعدم تكرار ما جرى، وفي مقدمة ما جرى استغلال القضاء لمعاقبة المخالفين، ولذلك، أوْلتْ توصيات هيئة بنزكري ورفاقه أولوية لاستقلالية القضاء، وتبلورت في مبادئ واضحة في دستور 2011، الذي لم يُخرج النيابة العامة من السلطة القضائية.

المعارضون، وضمنهم نواب البام، يتخوّفون من “تغوّل” النيابة العامة، بسبب عدم خضوعها للمراقبة والمحاسبة على أخطائها، خصوصا في ظل وضعية قضائية تُثار حولها التقولات عن حالات مفترضة للفساد الإداري وغياب النزاهة، ويعتبرون أن استمرارية تبعية النيابة العامة لوزير العدل ستمكن من إخضاعها لرقابة الحكومة، ولرقابة البرلمان، وأن هذه التبعية هي الإطار الديمقراطي، الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة…

والحال أن الإشكال الجوهري ليس هنا، إذ إن هذه الحجة مردود عليها، فلم يسبق في تاريخ البلاد، منذ الاستقلال السياسي، أن قام البرلمان بمحاسبة وزير العدل عن السياسة الجنائية المتبعة، علما أنه خلال هذه المدة، التي بلغت 61 سنة، عرفت البلاد عدة محطات، تخللتها تجاوزات، وصلت إلى درجة الانتهاكات، التي كانت تتطلب وضع السياسة الجنائية في قفص الاتهام…

عموما، هذه المسألة هي مسألة حيوية، لا تتعلق فقط بمجرد خلاف حول الجهة، التي توكل لها رئاسة جهاز النيابة العامة، وإنما تتعلق بالنظام القضائي في بلادنا، مما يتطلب فتح نقاش هادئ حول موضوع استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل، ضمن قضية أشمل وهي تكريس دولة الحق والقانون، وتحقيق استقلالية السلطة القضائية عن باقي السلط، والفصل الواضح بين ما هو سياسي وما هو قضائي… وآنذاك يمكن التعبير عن كل الآمال، وعن كل المخاوف، والبحث عن سبل تحقيق الانتظارات والتحصّن من التخوفات والانزلاقات، عبر التعديلات، وهي السلطة المتاحة لكل البرلمانيين…

 

 

 

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية