“الكوماندانتي” إرنستو تشي غيفارا.. الذي لم يمت

كشك | 10 أكتوبر 2017 على 09:27 | آخر تحديث 10 أكتوبر 2017


329

أمس تاسع أكتوبر، خلّد كل الحالمين بالشمس ذكرى اغتيال سيد شهداء الأرض، إرنستو تشي غيفارا.. جنود بوليفيون ألقوا عليه القبض يوم 8 أكتوبر 1967، وفي اليوم الموالي أعدموه.. خمسون سنة مرت، ومازال تشي على قيد الحياة، ومازال “الكوماندانتي” يلهم الملايين، ولذلك، لا يكفون عن ترصد روحه للإمعان في اغتياله الرمزي…

منذ مدة، وخدم الرجعية والظلام والاستبداد يريدون قتل غيفارا مرة ثانية، بنشر التضليلات، التي وصلت إلى موقع مغربي كتب عن “المجرم الذي حوّلته الدعاية إلى بطل”، ووصلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بترويج صورة مركبة تحمل مقارنة بين لحيتين: الثائر غيفارا والإرهابي خطاب، مستعارة من حملة دشنها الظلامي محمد العريفي… ظلوا يستعيرون من صورته وسيرته وشموخه وصموده ونضاله واستشهاده، فبدأوا يستعيدون روايات من رواة مأجورين ليقولوا على لسانهم إن غيفارا كان مجرما وطاغية وسفاحا، يقتل بدم بارد أي شخص لا يروق له، ويلصق به تهمة الخيانة… من يعرف سيرة غيفارا يتأكد أنه كان أكثر إنسانية… كان الأرحم بالثوار المقاتلين، يشرف بنفسه على إسعاف جرحاهم، وعلى تثقيفهم، وعلى إعطاء دروس في محو الأمية للفلاحين الأميين… وفي مختلف القرى، التي يمر بها، كان يُجري كشوفات على المرضى، ويقدم المساعدات حسب الإمكانيات…

تشي غيفارا لم يكن يمثّل… من يمثل لا يدفع حياته ثمنا للمبادئ السامية، التي كان يؤمن بها… كان مؤمنا حتى النخاع بالإنسانية.. بتحرير الشعوب من الاحتلال.. ومن الاستغلال.. وبحق الشعوب في الرخاء وتحرير الثروات وليس سرقتها مثلما يفعل سدنة التخلف والظلام والاستبداد ومعهم لصوص الثورات…

غيفارا، الذي يتهمه هؤلاء، اليوم، بأنه مجرم، ويقتل بدم بارد، هو الذي كان يحض الثوار المقاتلين على حسن التعامل مع الناس، مع الفلاحين، مع سكان القرى التي يمرون بها… غيفارا هو الذي كان ينظّر للثورة وللحب… لم يكن يفصل الثورة عن الحب.. واعتبر أن الثوري الحقيقي هو الذي يستهدي دائما بالحب… وغيفارا هو الذي ترك لكل الثوار وصيته الثمينة: “كونوا قادرين دوما على الإحساس بالظلم، الذي يتعرض له أي إنسان، مهما كان حجم هذا الظلم، وأيا كان مكان هذا الإنسان”…

كان الأكثر عطاء ووفاء وتضحية… قالها علانية من على منبر الأمم المتحدة: “نموت ليحيا الوطن”، قالها وفعلها…

ولذلك، نجد ملايين البشر في مختلف أرجاء المعمور تستهدي بمبادئه، التي ضحى من أجلها، وفي مقدمتها خصلة الوفاء، وكان أعدى شيء لديه هو الخيانة والنذالة، التي نجدها اليوم، عند المندسين، الذين كانوا يمثّلون يوما أنهم من الثوريين…

بالأمس، كان مؤلما أن تشي، الذي آمن طوال حياته بالإنسانية، والصداقة، والإخلاص، والوفاء، والتضحية، وعاش على هذه القيم النبيلة، كان مؤلما ومفجعا أن تنتهي حياته بأن يبيعه رفيق سلاح قديم، نظير حفنة من المال…

واليوم، يكون من الحقارة والنذالة أن يتسلل سدنة التخلف والظلام والاستبداد ليبيعوه مرة ثانية.. ومعهم كل المندسين والمتساقطين، الذين يبيعون رفاقهم ويوجهون إليهم طعنات الغدر، أيا كانوا، وحيثما كانوا…

لكن الأعظم أن ذلك الألم يمضي، وذلك الدم، الذي قدمه تشي بسخاء، يكنس سدنة الظلم.. ويبقى غيفارا حيا جميلا رائعا شامخا…

ولذلك، نجده، بالأمس واليوم، يعيش في قلوب وعقول الملايين.. وفي موطنه الأصلي، الأرجنتين، تحمل مدارس وثانويات اسمه، والعديد من المتاحف المنتشرة في البلاد تحمل اسمه، عشت في العاصمة بيونس إيرس، ولمست حب الأرجنتينيين له، أجد صورته في كل مكان، في الجدران، في علب أعواد الكبريت، في مذكرات الجيب… يمكن لمن يريد، أن يلتقيه، بالخصوص، في حي سان تيلمو، سيجد عددا من البيوتات المرصعة برسومات ضخمة لتشي غيفارا… في سان تيلمو، وهو أقدم أحياء بوينس أيرس، يلتقي الجميع… الأرجنتينيون جميعا الأثرياء والفقراء… الرفاق وفنانو الشارع والسائحون من كل مكان… العازفون والراقصون… عاشق وعاشقة يفترشان الرصيف ويبيعان مذكرات جيب بصور تشي غيفارا وكتب لماركس ولينين وريجيس دوبريه وجان بول سارتر وآخرين… التقطت مذكرة وبدأت أتأمل صورة غيفارا… ابتسمتْ الفتاة بصفاء، وقال صديقها باعتزاز وخيلاء: إنه علامة أرخينتينا… ابتسمتُ بحب، ووددت لو أقول لهما: إنه علامة أممية، إنه رمز الكادحين والفقراء والشهداء، إنه رمز الحب والحلم والثورة، وددت لو أقول لهما كلاما كثيرا… لكن.. خانتني اللغة… عندما أتقنها، أتمنى أن أجدهما مرة أخرى، وأعانقهما، وأحكي لهما حكاية تشي وأحلام أهلنا الطيبين… ومعهم كل الغيفاريين المغاربة الحالمين بالحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية…

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية