اللي فرَّط يكرَّط

كشك | 3 أغسطس 2017 على 11:33 | آخر تحديث 3 أغسطس 2017


361

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: وماذا بعد خطاب العرش الذي يؤرخ لمرور 18 سنة من حكم الملك محمد السادس؟

الأنظار والانتظارات تتجه إلى أن يكون الجواب هو القطع مع مرحلة “غض الطرف” و”عفا الله عما سلف”، وتدشين خطوة مهمة لمرحلة جديدة، تبتدئ بالمحاسبة وتنتهي بالعقاب في حق كل المفسدين في حقلي السياسة والإدارة، هذه المرة من خلال مبدأ جديد-قديم “اللي فرط يكرط”.

المأمول، دستوريا، هو تفعيل هاتين الدعامتين، المسؤولية والمحاسبة، باعتبارهما منصتين أساسيتين للحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية في البلاد.. بما يعطي كافة الضمانات للشعب بأن “الحساب” هو الكفيل بتخليق الحياة السياسية وتشذيب الإدارات العمومية من الشوائب التي تبعث التذمر في نفوس المواطنين، أولئك الذين يستثمرون حقهم الدستوري في الاحتجاج، بشتى التعابير التي تصور المغرب للأسف، كبلد حاضن لـ”الحكرة” والظلم والفساد. وبالتالي، من غير المقبول، أن يستمر استفحال كل أشكال الظلم في المجتمع، وقد عبر الملك نفسه عن امتعاضه من الآليات المنتجة له، ومن التغاضي الذي يعطل فصلا محوريا في الدستور، ربط، منذ فاتح يوليوز 2011، المسؤولية بالمحاسبة.

إن غضب الملك من السياسات التي أفرزت بؤر الاحتجاج، ووضوحه في الكشف عن الخلل البنيوي الذي تفشى في عقلية بعض السياسيين والموظفين في الإدارات، وما تعانيه الأحزاب من آفة الانتهازية والوصولية وتجميد النخب وجعل دورها موسميا وانتخابويا، ينبغي أن يوازيه تفعيل لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.. عدا ذلك، سيواصل الفساد الإداري والسياسي توغله في مفاصل الدولة، بالقدر الذي قد يصيبها بالشلل. آنذاك، كما يقول أكثر المتفائلين، لن تنفع كل العمليات الاستعجالية في استئصال الورم والعياذ بالله…

العديد من المغاربة تفاعلوا مع خطاب العرش، كل بصيغته، وكثيرون تماهوا مع مضمونه الذي يتحدثون به وعنه في تداولهم اليومي، لكن السواد الأعظم، الذي رأوا كيف أن ملك البلاد يتحدث لغتهم، وينفعل لمعاناتهم، وينتفض ضد الأسباب المغذية للاحتقان في هذه المدينة أو تلك، كانوا يقومون بحرق المسافات، ويسقطون غضب الملك مباشرة على ما جرى في الحسيمة، وعلى الذي جعلها بؤرة تنام وتصحو على الاحتجاج، وعيونهم على الخلاصات التي ستخرج بها اللجنة التي كلفها الملك بالبحث عن مكامن الخلل المؤدية إلى تعثر برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”.

اليوم، بات المواطنون موقنين بأن الحساب عن التقصير في مشروع حيوي، سيجرف رؤوسا كبيرة في الحكومة الحالية، والأخرى التي قادها ابن كيران ووقَّع وزراؤها على المشروع ذاته أمام الملك.. كما أن كثيرين، يؤمنون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن “الحساب” سيتجاوز المنطق الذي ساد لعقود، القائل “طاحت الصومعة.. علقو الحجام”.. وإن كان المشكل هنا، لا يتعلق بالصومعة في حد ذاتها، وإنما بـ”الفقهة” الذين أوهموا الناس ببنائها في آجال محددة، قبل آن يتفاجأوا بأصوات المحتجين تفضح عوراتهم في زمن محتقن دام أزيد من تسعة شهور.

إن تفعيل آلية المحاسبة في حق المقصرين والمتهاونين الذين يغلبون المصالح الشخصية والحزبية على المنفعة العامة، هو الضمانة الأساسية لردع هذا الفاعل أو ذاك، عند وقوفه على أي مشروع من شأنه أن يرفع الظلم عن المدينة والقرية والدوار… إذ لا مجال للتسويف أو تحريف منافعه إلى الدائرة الضيقة للحزب، وهو مؤطر بقانون، يربط المسؤولية بالحساب والعقاب..

لقد بدأ قبل سنوات عهد المحاسبة، وإن بشكل محتشم، ورأينا كيف أن حيتانا كبيرة جُرِّدت من السلطة والمسؤولية، بعد أن مارسوا “لوعاوع” في حق البشر والمؤسسات، وبعد أن غلبوا مصالحهم الشخصية على الوطن، ليكون مصيرهم السجن.. وقد كان ذلك، على الأقل باعثا نسيبا على الارتياح عند عموم المواطنين الذين لمسوا وقتها أن القانون يسري على الجميع. لكن حدث أن تراجع هذا المكسب، في ما يمكن وصفه بـ”الردة”، بعد أن أفتى رئيس الحكومة السابق بوجه أحمر قائلا في الملأ “عفا الله عما سلف”، وهي العبارة التي أشارت عدة تقارير على أنها حفزت الفساد للتغول أكثر من أي وقت، في المؤسسات، بما في ذلك “ضومين تاويزاريت”، وهو العهد الذي تعثر فيه مشروع حيوي حمل اسم “منارة المتوسط”: الحسيمة…

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية