المغرب بلد آمن ولكن؟

كشك | 19 أغسطس 2017 على 20:20 | آخر تحديث 19 أغسطس 2017


338

إذا كان لا بد من تقييم مساراتنا بين الحين والآخر، فذلك من أجل الاستفادة من تجربة الماضي وتصورها، وتجاوز جلد الذات والانقسام عليها، وتجاوز العصبية الدينية والسياسية والثقافية. خاصة وأن المبررات التي ربما عمرت طويلا، كان من أسبابها فشل الذات التنظيمية في العديد من التجارب، بالإضافة إلى الانغلاق الإيديولوجي الذي أعتقل العديد من الطاقات، نظرا لغياب أدوات التواصل والاتصال بين الفاعلين ومحيطهم العائلي والاجتماعي والسياسي والشعبي.

ولعل ما يدفعنا اليوم للحديث عن التقييم في هذه المرحلة، ليس سوى تجنب عواقب الانتكاسة، والبحث عن صيغ جديدة ل”المشاركة” في الحياة السياسية والاندماج في المجتمع، والتأقلم مع الواقع الجديد، بعيدا عن أوهام الاختلاف من أجل التميز أو ما شابه، واستحضار عناصر جدية من الوحدة والتفاعل.

لقد ترددنا كثيرا قبل فتح هذا القوس من أقواس تجربتنا، حتى لا نخطئ الموعد مع الذات ومع رفاق الطريق والتاريخ، وحتى لن نترك أي صدمة كيفما كان حجمها ووزنها تؤثر على المشترك بيننا.

لقد رفع العديد منا شعار الحداثة مثلا، لكن لم نكلف نفسنا عناء شرحها وماذا نقصد بها. فهل نقصد بها الحداثة المادية (أي كل ما يتعلق بالحياة اليومية من أطل وشرب وملبس ومسكن وما يتعلق ممارسة الشأن العام)؟ أم نقصد بها الحداثة العقلية (أي تحديث الفكر والعقليات ونظرة الناس للعالم وللآخرين)؟ أم هما معا؟

إن غياب الدراسة والبحث و الاجتهاد والإطلاع على تجارب الآخرين، جعل التشرذم خاصية ملازم لممارستنا، بسبب مواقفنا الهشة والمتذبذبة وتكويننا الإيديولوجي المتناقض الذي يشجع على التنابذ بدل الوحدة والتفاعل والبحث المستمر عن نفس جديد.

والمثير للاهتمام ما نلاحظه في الآونة الأخيرة، حيث أن هناك من يتحدث عن فشل مسلسل الانتقال الديمقراطي، وعن محاولة ترسيخ ثقافة جديدة لإحداث القطيعة مع مغرب الإنصاف والمصالحة، ونقل المغرب إلى مرحلة تاريخية أخرى تختلف عما كنا نحلم به. فإذا كان هذا الطرح صحيح، فأين هي الضرورة الفعلية لإنقاذ الشعب من المجهول، ومن أولائك الذين يسعون فقط وراء جني ثمار مبادرات وتضحيات ومسارات لم يكونوا سباقين للمشاركة فيها؟

إن عدم تخطي ما تعاني منه بلادنا من أعطاب وتراجعات اجتماعية وسياسية واقتصادية وحقوقية، بات يسائلنا بشكل مستمر. فتارة نتشبث بالمصالحة مع الدولة في إطار الشرعية والعمل الإصلاحي، وتارة نتشبث بالعمل الشرعي وممارسة العدمية، في تعارض مع اختياراتنا وثوابت وأصول المجال الشرعي.

إن حزب العدالة والتنمية اعتمد على البورجوازية الصغيرة، التي تشكل الأساس الاجتماعي له، ويستعد لغزو الطبقة الوسطى، وهو ما سيشكل خطرا على الإدارة العامة للأمن الوطني ومؤسسة الجيش والدرك. بل أكثر من ذلك، ما يذهب له اليوم بن كيران من توجهات متضاربة تصل إلى حد الراديكالية والإعلان عن مواقف غامضة من الملكية، يجعلنا نترقب مرحلة ما بعد الوصول إلى تدبير الحكم، بعدما فشلت حكومته وحكومة زميله العثماني في الحزب في تحقيق الوعود التي جاءوا بها في برامجهم الانتخابية التي حملت عناوين عريضة في الإصلاح والتنمية وصون كرامة المواطن بالعدالة الاجتماعية والحرية والإنصاف.

وبوجه عام نحن أمام تحول عميق في المشهد السياسي ببلادنا، فالإسلاميون فشلوا في تجربتهم، ومرروا على ظهر الشعب رزمانة من توجهات وتوصيات صندوق النقد الدولي اللاشعبية واللاديمقراطية، وكرسوا المحسوبية والزبونية في أقصى تجلياتها، وخلقوا الوهم لدى المغاربة، خاصة لدى الطبقات الشعبية الهشة والفقيرة والأمية. وهذه حقيقة لم تستطع القوى التقدمية واليسارية والديمقراطية، استغلالها وفك الارتباط بين الدولة والإسلاميين، بل ظلت سجينة مواقفها التاريخية التي تعبر عنها في برج عاجي من دون تفعيلها على أرض الواقع.

ويبقى السؤال مطروح علينا جميعا، لماذا لم يتم تشكيل نخب بديلة؟ ولماذا لم نتجاوز معيقات الخبرة السياسية؟ ولماذا لا تحظى القوى الحداثية بدعم من الشعب؟ ثم لماذا تتناسل أزمتنا بدل أن تتغير؟

إن الصراع الاجتماعي، ورغم حدته، ظل من دون قيادة جماهيرية، وحتى بعض القوى اليسارية التي تجاوبت مع العديد من الحركات الاجتماعية لم تستطع تفعيل توجهاتها المعلنة، وفضلت نوعا ما من الاستغلال السياسي.

فهل لدينا فعلا، وكما يقال، يسار بدون جماهير.. ويساريون بدون يسار؟

إن إفلاس نموذج التنمية بات حقيقة وواقع، كما تبين ذلك البنيات الاقتصادية التي تقوم في جلها على قطاعات غير منتجة وغير صناعية، وتقتصر على عائدات مغاربة العالم والخدمات والسياحة وتصدير بعض المنتوجات الفلاحية والمواد الأولية المعدنية. ويظهر الواقع فعلا، أن اقتصاد المغرب مفكك ولا يلبي حاجيات السوق الداخلية ولم يعد يوفر الأمن الغذائي، ويعاني ضعفا كبيرا، كما يشهد على ذلك الارتفاع المهول في المديونية العمومية والتي وصلت إلى ما يقارب 82 % من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو ما انعكس على البنية الاجتماعية وعلى الأزمة التعليمية والثقافية القائمة.

كما أفرزت لنا هذه الوضعية المتدهورة، معضلات اجتماعية حقيقية مثل غياب العدالة الاجتماعية في ميادين الشغل والتفاوتات الاجتماعية والمناطقية وغيرها من أوجه التنمية البشرية ومقاربة النوع.

ولا يخفى على أحد اليوم تفشي الفساد بكل أنواعه في كل أنحاء البلاد والقطاعات والدواليب، وهو ما يشكل عائقا أساسيا أمام التنمية المستدامة، ويعمق الهوة بين الشعب والمؤسسات، ويفقد الثقة في الفاعلين السياسيين وفي الحكامة والادارة والمؤسسات الترابية.

فمن نصدق اليوم؟ حقيقة واقع الشعب وفقره وغلاء قوته وبطالته، أم تقارير المؤسسات الدولية التي تطمئن الحكومة وعقليتها التقنوقراطية؟

لقد عشنا في السنين الأخيرة تجارب كثيرة، كان علينا أن نستشف مفاعيلها من أجل نفس جديد ديمقراطي دافع. كما كان علينا أن نصون التجربة الديمقراطية المغربية خلا العقدين الأخيرين، بدل التعارض معها وتشويهها وانتقادها لأغراض سياسوية ، وفتح الطريق للنكوصيين للانقضاض عليها. كما أن اله

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية