تسع سنوات على تأسيس “البام”

كشك | 9 أغسطس 2017 على 10:43 | آخر تحديث 9 أغسطس 2017


94

شكل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة تأسيس جواب “سياسي” على رجة انتخابات 2007 التي سجلت المشاركة الانتخابية أدنى مستوياتها القياسية، وهي الرجة التي تلازمت مع ارتدادات نتائج الانتخابات في بعض الأحزاب السياسية، خاصة منها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وتراجع نتائجه الانتخابية، مما أعطى لهذا التأسيس إشارة إلى كون البام جاء ليملأ فراغا سياسيا واجتماعيا خلفه تراجع الاتحاد الاشتراكي. لكن هذا التأسيس للأسف وإن كان في ظاهره اتخذ من خطاب الحداثة، والمشروع الحداثي، إلا أنه اعتمد في انطلاقته على أدوات جعلت منه حزبا يتجه نحو ابتلاع الحياة الحزبية، والتحكم فيها بشكل فوقي أدى إلى إضعافها ووهنها، بل إلى بداية إفلاس بعضها ممن قاد مسيرة طويلة من النضال الديموقراطي في بلادنا.

ومن بين ما بشر به البام في ولادته، هو متلازمة التنمية مقابل الهيمنة السياسية، من خلال محاولة استنساخ نماذج سياسية خاصة، منها التونسية التي كانت تقدم كمثال في المنطقة، مما أدى إلى احتقان سياسي كبير تمثل في بيان المكتب السياسي لأكتوبر من نفس السنة الذي أطلق على البام وصف “الوافد الجديد”، وانطلاق عملية استقطاب المنتخبين إلى الحزب، وقد كان ذلك أولى الأخطاء الجسيمة في بناء الحزب، إذ لا يعقل أن يتم تأسيس حزب وفي رمشة عين يصبح قوة برلمانية ببرلمانيين ترشحوا بأحزاب وألوان سياسية أخرى، وكان مؤشرا على رغبة مؤسسي البام في تلك اللحظة على بناء حزب يهيمن على الساحة الحزبية، وهو ما أدى إلى أن تصيبه نيران حركة 20 فبراير التي كانت في العديد من نقطها ردا سياسيا على الوضعية التي كانت البلاد تدخلها، وعلى رغبة بعض المفتعلين في بناء حزب الدولة على الشاكلة المصرية والتونسية.

هذه الانطلاقة، أضف إلى ذلك بناء حزب بتحالف وأقطاب غير متجانسة اجتماعيا، من خلال “خلوطة” الأعيان بالمناضلين اليساريين “القدامى” خاصة منهم اليسار الجذري، أعطى روحا هجينة خاصة مع دفع بعض أعيانه للواجهة، ومحاولات بناء أداة حزبية يتصدرها الأعيان ويكون الخطاب اليساري هو العجلات التي يتقدم بها للمواطنين، مما أعطى نوعا من عدم الوضوح والضبابية في صيرورة الحزب وفي الإشارات التي يمكن أن يقدمها لمختلف الفاعلين خاصة منهم شركاؤه المفترضين.  أضف إلى ذلك أن الحزب ركز في خطابه على مناهضة تيار الإسلام السياسي خاصة منه المشارك في الانتخابات، وهو التيار المحافظ الذي له مشروع واضح يسعى لأسلمة المجتمع في أفق أسلمة الدولة، ويعمل على تنفيذه، لكن الأصالة والمصارعة في صراعه معه لم يستطع أن يوضح طبيعة مشروعه البديل الذي يسميه بالمشروع الحداثي، على مستوى تحديث الدولة والمجتمع، بل ظل يصارع هذا التيار بقوة خاصة على مستوى الانتخابات من أجل حد نفوذه الانتخابي.

ويمكن القول، إذا كان البام لم يبرز معالم مشروعه الحزبي الحداثي وليس الانتخابي، فإنه استطاع الحد من اكتساح العدالة والتنمية للانتخابات، لكن هل يمكن اعتبار هذه هي مهمته الوحيدة في ظل وجود حزب له أدرع تشتغل على عدة جوانب منها ما هو دعوي، ومنها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي؟

بعد مرور هذه السنوات، وخروج مؤسسه من اللعبة السياسية وعودته للمربع الملكي، ومشاركة الحزب في الانتخابات التي كانت فيها إرادة الدولة واضحة في احترام نتائجها، ومرور مؤتمرين على التأسيس، وتحوله التدريجي لحزب عادي كمختلف الأحزاب الذي لا يعني مشاركته في استحقاقه ما فوزه، بل قد ينهزم كما قد ينتصر كباقي الأحزاب السياسية، يحتاج لمراجعة حقيقية.. كيف يمكنه أن يحول هذا التحول التدريجي من وصف حزب “الدولة” إلى حزب المجتمع، إلى عنصر قوة يعطيه مصداقية أكبر لدى الرأي العام؟ كيف يمكن أن يستغل العنصر البشري الذي يزخر به من طاقات حقيقية خاصة منها الشباب في بناء نموذج حزبي يواكب المتغيرات التي يشهدها المغرب؟ كيف يعيد بناء نفسه بالشكل الذي يجعل منه حزب حقيقيا وليس فقط آلة انتخابية قوية، وهي مطلوبة لأن السياسة في نهاية المطاف تقاس في الاستحقاق الانتخابي؟ ثم أهمية التفكير في النموذج الحداثي الذي يسعى لتقديمه للمجتمع، يكون فيه عنصر تحديث بنية الدولة يوازي تحديث بنية المجتمع؟ هي مجرد أسئلة، الإجابة عنها تنطلق من أهمية وجود حزب حداثي حقيقي، ببنية حداثية يجيب على الأسئلة التي تطرح محليا، مقابل تيار محافظ له مشروعه.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية