ثقافة الاستقالة.. لماذا أحرجتهم يا إلياس؟

كشك | 10 أغسطس 2017 على 16:44 | آخر تحديث 10 أغسطس 2017


16287

ما إن طرح إلياس العماري استقالته من الأمانة العامة أمام المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، حتى انفجرت المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات والتأويلات. فمن المعلقين من حاول البحث عن تأويلٍ يروي عطش مفاجأته بالخبر، ومنهم من تفنَن في التحامل على الرجل واسترجع شريط كل الوقائع التي عرفها البلد مؤخراً وحاول ربطها بالاستقالة.

الحقيقة أبسط مما توقَعها البعض، إلا أنها تبقى غريبة وبدعة داخل مجتمعٍ لم يعرف من قبل، إلا نادراً، معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولم يسمع من قبل، إلا نادراً، عن مسؤولين تخلَوا بإرادتهم عن مسؤولياتهم داخل الوزارات والمجالس المنتخبة، فما بالك بالأحزاب والنقابات.

إلياس العماري ربط استقالته من الأمانة العامة للحزب بضعف أداء البرلمانيين ورؤساء الجماعات، الذين وقّع تزكيتهم بنفسه، وعدم انضباطهم لتوجيهات وقرارات الحزب…

وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع قرار الاستقالة، تبقى الخطوة التي أقدم عليها إلياس العماري خطوة جريئة وشجاعة تستحق التنويه وتؤسس لثقافة جديدة لربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الهيئات الحزبية والنقابية والجمعوية، فالمسؤولية يتقاسمها الجميع.. المواطن له جزء من المسؤولية، والمسؤولون في مختلف المؤسسات لهم جزء من المسؤولية، والملك كمؤسسة له جزء من المسؤولية.. وبناء الوطن يتطلب من الجميع تحمل المسؤولية كاملةً… إننا أما تحد جوهري، وهو دولة القانون والمؤسسات، من خلال تكريس ثقافة المسؤولية في الدولة والمجتمع معا…

المسؤولية والمحاسبة عند إلياس العماري هي فعل وليس مجرد قول، هي ممارسة على أرض الواقع وليس مجرد شعار، ولذلك كان مبادرا عندما قرر المثول شخصيا أمام لجنة التحقيق حول المشاريع المتعثرة أو المعاقة في برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”، ليساهم من موقعه الأول في رئاسة جهة طنجة تطوان، في تكريس سلوك حضاري، وهو، كما يقول العماري نفسه، أن “لا أحد فوق القانون، وكل مسؤول مهما كبر شأنه أو صغر، عليه احترام المؤسسات، والقبول بالمساءلة والمحاسبة…”.

والحقيقة هي أن هذه الخطوة ليست بجديدة على الرجل منذ توليه قيادة الحزب. فقد سبق وأن قام بإجبار نواب الحزب على إرجاع التعويضات، التي تلقوها خلال فترة العطالة البرلمانية، وسبق أن طلب من النواب إرجاع الهواتف واللوحات الإلكترونية، التي أثار توزيعها عليهم استهجان الرأي العام الوطني، وسبق أن اتخذ قرارات صارمة ضد برلمانيين ورؤساء جماعات صدرت منهم سلوكات غريبة، وسبق أن طلب، في برنامج تلفزي، أمام الملايين من المغاربة، بالتحقيق معه ومحاكمته إن ثبت فساده أو إهماله في مهامه كرئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة. كما سبق للرجل أن كوَن مكتباً للجهة يحترم مبدأ المناصفة، ويمرر غالبية القرارات بإجماع الأغلبية والمعارضة، ويعتبر نموذجا في التسيير اليوم.

كل هذه السلوكات تبقى غريبة داخل مجتمع لم يعهد في مسؤوليه أن يقدموا استقالاتهم طواعيةً بسبب فشلهم أو عدم اقتناعهم بمردودية الأجهزة التي يشرفون عليها، ولهذا تجد البعض يحاولون إيجاد تبريرات غريبة للقرار. والغريب أن بعض التعليقات المبخسة لخطوة العماري تصدر من أشخاص ينتمون إلى هيئات يرأسها أشخاص منذ عقود وكأن بطون المغربيات لم تنجب سواهم. فإذا لم تستحي فاصنع ما شئت!

أما التعليقات المثيرة للسخرية، فهي تلك الصادرة عن مريدي زاوية ابن كيران، الذي يحاول جاهداً، هذه الأيام، الالتفاف على القانون الأساسي لحزبه، العدالة والتنمية، ليضمن ولاية ثالثة على رأس حزبه، بعد فشله في تشكيل حكومة ثانية، وبعد إغراقه البلد في مستنقع الديون والشعبوية. فإذا كان بيتك من زجاج، فلا تضرب الناس بالحجارة!

ثقافة الاستقالة منعدمة داخل مجتمعنا، وهذا واقع نعيشه، رغم أن دستور 2011 ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة. إلا أنه يبدو أن المسؤولين في هذا البلد، إلا من رحم ربك، لا يفهمون إلا منطق الإقالة والخروج من الباب الضيق.

والمصيبة هي أنه يوجد فعلاً من بين المسؤولين من يظن أن تقديمه لاستقالته أمام الملك يعتبر تجرؤاً على الملك!

أتمنى أن تشكل استقالة إلياس العماري، سواء قبلها المجلس الوطني للحزب أو رفضها، مدخلاً للتأسيس لثقافة المحاسبة داخل مجتمعنا، وتحرك بعضا من الكبرياء المنعدم لأولئك الذين التصقت جلودهم بالكراسي منذ سنوات دون تقديم أي مردود.

وإن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية