حدود الشرعية والمشروعية في هيبة الدولة

كشك | 5 سبتمبر 2017 على 11:15 | آخر تحديث 5 سبتمبر 2017


244

مفهوم هيبة الدولة، من المفاهيم التي عرفت تغييرات عديدة عبر التاريخ، وفق الثقافات والسياسات، لكن عموما يبقى المفهوم متضمنا للعديد من المبادئ والأسس المتعارف عليها، والتي تقوم على حرمة المؤسسات. والحال هنا يمكن تلخيص هيبة الدولة على مستويين داخلي ودولي: فعلى المستوى الداخلي، يقصد به قدرة الدولة على تطبيق القانون على الأفراد وحفظ النظام العام، بما يضمن الأمن والاستقرار داخل الدولة.. أما على المستوى الخارجي، فيجسد قدرة الدولة على فرض احترام سيادتها الوطنية أمام الدول الأخرى التي تشكل المنتظم الدولي.

وهيبة الدولة تتحقق عبر اقتران التمتع بالحقوق والحريات، والقيام بالواجبات والتزامات المواطنة، في ظل سيادة القانون، وضمان عدم جعل الحقوق والحريات وسيلة للنيل من سلطة الدولة، بل في إطار فعالية السلطات العمومية والمؤسسة القضائية، في لعب أدوارها الموكلة لها بواسطة القانون.

وبناء عليه، فإن قوة الدولة تتجسد في قوة المؤسسة العسكرية والأمنية، الأولى لحماية الأمن الخارجي من أي اعتداء خارجي، والثانية للحفاظ على النظام العام في إطار تكريس سمو القانون.

وهنا، لابد من التفريق بين الشرعية والمشروعية.

فالشرعية تعني تطبيق القانون، والمشروعية تعني تطابق تدخل الدولة مع القيم الديمقراطية.

من هذا المنطلق، فإن هيبة الدولة تستمدها من قوة المؤسسات داخلها، القادرة على تطبيق سمو القانون في إطار فصل السلطات.

أولا، مؤسسة قضائية قوية:

قوة المؤسسة القضائية تكون باستقلاليتها في تطبيق القانون بكل نزاهة وحياد، دون تدخل في اختصاصاتها، عبر إصدار تعليمات في نازلة معينة، لكون هيبة الدولة في تطبيق سمو القانون والإحساس مرهون بنزاهة القضاء.

ثانيا، مسؤولية مؤسسة الحكومة:

تتولى الحكومة تحمل مسؤوليتها السياسية وفق الاختصاصات والصلاحيات، التي أوكلها لها الدستور، والقيام بتنفيذ القانون عبر استخدام كل تلك الصلاحيات، وأي امتناع عن التدخل ستكون مقصرة، وسيكون لتقصيرها تأثير على هيبة الدولة.

والحال أن المخاض، الذي عرفته منطقة الحسيمة، يجعلنا نقول إن ضمان تكريس الخيار الديمقراطي يمر لزوما بضرورة تحقيق التنمية، ذلك أن «الفقر يمثل عقبة كأداء أمام التطور الديمقراطي، وأن تعزيز الديمقراطية يعتمد على تحسين مستوى التنمية الاقتصادية، وأن العقبات التي تقف في وجه التنمية، هي عقبات في طريق الديمقراطية».

تحقيق التنمية يكون عبر حكومة مسؤولة سياسيا في تنزيل البرامج التنموية، وفي اتخاذ القرارات اللازمة في حفظ النظام العام، ومن بين ما كشف عنه هذا الحراك أن هناك خللا على المستوى الحكومي، ففي الوقت الذي كان يفترض في الحكومة تحمُّل المسؤولية السياسية كاملة، اتجهت أحزاب التحالف الحكومي إلى توافد التنصل من المسؤولية السياسية على تقاذف المسؤولية، مع تعطيل آليات الرقابة البرلمانية، التي تؤسس للثقة في المؤسسات، وظهر ذلك في لغة المزايدة من هذا الطرف وذاك، مما لم يسفر على الحصول على النصاب الدستوري لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، بعجز مبادرة كل من حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، بفعل الصراع السياسي ونهج لغة المزايدة بالحراك، مما ينجم عن ذلك من تعطيل الدور الرقابي، وكبح الفعالية المؤسساتية، وهو الأمر الذي نتج عنه استمرار الأخطاء في تفعيل دور المؤسسات، إلى درجة لم نعد نعرف الأغلبية من المعارضة، مما حط من دور البرلمان كمؤسسة رقابية، وجعل القوات العمومية وجها لوجه أمام الشارع، بسبب الفراغ الذي حط من هيبة مؤسسة البرلمان وجعل من عمل السلطات العمومية يظهر وكأنه عمل منعزل عن الحكومة، في وقت كانت تحتاج فيه العملية الأمنية إلى سرعة التحرك، لحماية حقوق الأفراد والجماعات وضمان النظام العام وتقديم المشتبه فيهم للمحاكمة العلنية العادلة، وهو ما جعل الجهات الحقوقية تشن هجوماً حاداً على جهاز الأمن، في ظل تخبّط داخل الحكومة نتيجة صراعات سياسوية.

صحيح أن هيبة المؤسسات لا يعني أنها معصومة من حدوث تجاوزات أو اختلال في المشروعية، ولكن لا يمكن، بأي حال من الأحوال، القفز على مبدأ سمو القانون، فلا يمكن للدولة التفريط في الدفاع عن المصلحة العليا للدولة la raison d’état.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية