فاطنة ومحمد .. قصة نصف قرنٍ من الحب بأرض المهجر

كشك | 10 يوليو 2017 على 12:45 | آخر تحديث 10 يوليو 2017


56

في سنوات الستينيات، وبُعيد التغيرات الإجتماعية المتلاحقة التي عرفها المغرب آنذاك، انفتح المواطنون على عوالم جديدة خلف البحر المتوسط، لتظهر البوادر الأولى لقصص الهجرة التي نسجها المغاربة في بلدان المهجرعلى امتداد نصف قرن، قصص كفاح وصمود.. معاناة وغربة، تمكن أبطالها من الانصهار في المجتمعات الأوروبية، ليُشكلوا مع الزمن إحدى أكبر الجاليات النشيطة هناك،والتي ساهمت في نهضة القارة العجوز بعد كبوة الحرب العالمية الثانية.

فاطنة ومحمد، شابان لم يتجاوزا بعد سنوات المراهقة في مطلع الستينيات، ألفيا أنفُسهما وقد ارتبطا برباط زواج تقليدي مُدبر، ليُواجها الحياة – على صغر سنهما – بحماس مُتردد، تآكله الفقر والحرمان اللذان ضربا أطنابهما في نواحي مدين تاوريرت، والتي لم تكن آنذاك أكثر من محطة استراحةٍ لراكبي الدّواب والمُشاة من زُوار أسواق المنطقة التي أرهقها الغبار.. والجفاف.

هجرة

قبل بلوغه سن الثامنة عشرة، كان محمد حمومي قد تشرّب عشرات القصص، والتي تروي حكاوي أبناء بلدته الذين قُدر لهم أن يعبروا إلى الضفة الأخرى حيث يتطاول الطموح، وبُعيد عُرسه بقليل، كان قد استقل باخرة شقت به الأطلسي إلى هولندا، تلك البلاد الوادعة التي ما إن وضع قدميه عليها، حتى تلبّست روحه لخمسين عاماً قادمة.

وطن جديد

بمدينة “Zaltbommel” الواقعة على بُعد 70 كيلومتراً جنوب “أمستردام” أسّس محمد عُشه الزوجي، ولم يُثنه جهله الكامل بلغة البلد عن الانخراط في حياة العمل، بينما ظلت فاطنة ترعى منزله بكل تفانٍ، ورغماً عن كونها لم تنصهر في مجتمعها الجديد، بل اكتفت بربط علاقات مع مغربيات يُقاسمنها ذات الهموم، واللوتي كلما استبدّت بهن وحشة الإغتراب، إلا وبدّدنها برواية أقاصيص من الوطن الأم، تُصافح ذكراه مُخيلتهن في تواضعَ وخُيلاء.

ظل محمد لعقود طويلة حبيس معمل سبك المعادن بالمدينة، غير أن حرارة المعادن المنصهرة لم تكن بالقدر الكافي لتُضاهي تلك التي تتوقد في صدره حباً لوطنه، إذ كان يستسرع الزمن كل عام قبل حلول العطلة الصيفية، ليشق البحر عائداً إلى وطنه، وبلدته تاوريرت التي استحالت إلى مدينة كبيرة، شقّ هدوءها القديم أصوات السيارات ونداءات الباعة.

50 عاماً من الحب

صار لمحمد وفاطنة 6 أولاد، كبروا وترعرعوا في المهجر، وبدورهم أنجبوا 14 حفيداً، وحين تلقفت الصحافة الهولندية قصة زواجهم الهادئ والطويل الذي دام 50 عاماً، باتوا حديث الموسم في بلد تفشت فيه أصنف مختلفة من العلاقات المبنية على الفردانية وحب الذات، ولما بادرهُ صحفي عن يومية “BD” بالسؤال عن سر هذا الوفاء الطويل أجاب بكل بساطة:” زوجتي كانت قطعة من وطني حملتها معي إلى هذا البلد، أحببتها حباً لوطني، ووفيتُ لها وفاءً لوطني وديني، وكانت عزاءً لي في أحلك لحظات حياتي..”

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية