فيديو الزفزافي.. وخيانة روح الإنصاف والمصالحة

كشك | 12 يوليو 2017 على 14:05 | آخر تحديث 24 يوليو 2017


356

بعد توالي الأحداث في مسار احتجاجات الريف، إلى أن وصلت إلى الشكل الذي استفز مشاعر الكرامة الإنسانية، منذ التدخل العنيف ليوم عيد الفطر، وصولا إلى فيديو الزفزافي، المنشور أول أمس الاثنين، بات الأمر يتطلب وقفة مراجعة حقيقية لتفادي انحراف البلاد عن سكة التغيير الديمقراطي نحو الحداثة والتقدم، بما يضمن مصداقية المؤسسات واحترام القوانين وصون كرامة المواطنين…

المسألة ما عادت تحتمل لا التباكي ولا الغضب ولا الانفعال، ولا أي حديث عن إذلال الزفزافي، لأنه لا معنى له، إذ من “مر من هناك” يدرك كل الإدراك أن امتهان الجسد لن ينال أبدا من حصانة الروح لدى المناضلين المؤمنين بقضايا نضالاتهم، لا يهم أن نتفق معهم أو نختلف أو نتناقض، تبقى تلك السلوكات المريضة قاصرة عن فهم وجدان المناضلين، وأنها أعجز عن جرهم إلى الانكسار…

المسألة أعمق من فيديو تافه. المسألة تتعلق بكينونة ومستقبل الوضع المجتمعي للبلاد، حتى لا ينحرف عن سكة ومسيرة مطالب الإصلاح العام أو الشامل، التي تبقى مطالب مشروعة وطبيعية في كل المجتمعات الحية. لذلك فإن هذه المجتمعات أحرص ما تكون، في قوانينها الأساسية أو دساتيرها، على تحديد آليات الإصلاح، والخطوات، التي ينبغي أن يحترمها المشرع، عند القيام بعملية الإصلاح. وغالبا ما يجري بناء المؤسسات الدستورية، التي عليها أن تتولى هذه المهمة، سواء من خلال المراجعات المستمرة للقوانين، أو من خلال بلورة بنود ومواد جديدة لتتلاءم مع التطورات، التي يعرفها المجتمع.

المغرب، الذي يندرج ضمن هذه الصيرورة، يعيش، اليوم، حراكا سياسيا، تشارك فيه كل القوى الفاعلة، على مستوى الدولة والمجتمع، بما في ذلك الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية ومختلف تجليات المجتمع المدني. وقد برزت في هذا السياق حركة 20 فبراير، واستتبعتها حركات أو مجموعات أخرى، تتقاطع معها أو تخالفها، لتدلي كل منها برأيها في هذا الحراك، دون أن يلغي ذلك الجوامع، التي توحدها، ولا التناقضات، التي تفرقها، إلى أن جاءت احتجاجات الريف، التي ستجد نفسها، لعدة عوامل مركبة، مُخترقة من قبل توجهات رجعية، لأول مرة، في تاريخ الاحتجاجات المغربية، التي قادتها قوافل من المناضلين المغاربة، الذين ضحوا بحيواتهم وبحرياتهم… ما يهم أن الجامع الأساسي بينها، يبقى هو طموح المغاربة إلى إنجاز إصلاح سياسي شامل، انطلاقا من تقدير وطني لمصالح البلاد، دون أي إلغاء للتمايز بين المقاربات لمسألة الإصلاح.

إن أبرز وأقوى عرض مجتمعي إصلاحي وتغييري، في الآن نفسه، عرفته البلاد، إلى حدود اليوم، يتمثل في توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة…

نعتقد أن الابتعاد عن تلك التوصيات، الذي كرسته حكومة رجعية تراجعية، في نسختها “البنكيرانية”، ونسختها “العثمانية”، هو العامل القوي في اندلاع الاحتجاجات في الريف وفي باقي مناطق البلاد…

فالانحسار في مسار إعمال هذه التوصيات، لم يشمل فقط تعطيل المشاريع التنموية، التي اعتبرت الجواب الأجدر على قضايا جبر الضرر الجماعي، بل امتد إلى تعطيل جوهر هذه التجربة التاريخية في العدالة الانتقالية، وهو بناء المجتمع الحداثي الديمقراطي، الذي بدأ يصدم حائط توجهات دينية رجعية، هي التي تقود المرحلة، وتنثر في ثناياها كل ظروف الإحباطات، التي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الاضطرابات…

وبالعودة إلى فيديو الزفزافي، نستحضر، في هذه الصيرورة، مطلبا حيويا وجوهريا ضمن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، التي سعت إلى تكريس مصالحة المغاربة مع ماضيهم، وتاريخهم، واتخاذ التدابير اللازمة لتفادي تكرار ماضي الانتهاكات، وفي مقدمتها مطلب الحكامة الأمنية، الذي تفاعلت معه الدولة والمجتمع لبلورته في مقتضى دستوري، ينص على إحداث “المجلس الأعلى للأمن”، الذي يعد، حسب الفصل 54 من دستور 2011، هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. وفي هذا الصدد، أوكل الدستور للمجلس مهمة التنسيق بين العديد من المصالح المتداخلة في المجال الأمني بالمغرب منها: المديرية العامة للأمن الوطني، والمديرية العامة للدراسات والمستندات، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والاستعلامات العامة، والدرك الملكي، ومصلحة الاستعلامات العامة للقوات المساعدة، ومصالح الاستعلامات العسكرية، وهذا أمر سيساعد المجلس على القيام بمهمة دراسة المعلومات الواردة عليه من مختلف المصالح لعرضها على أصحاب القرار، مثلما سيساعده أكثر على تلافي كل السلوكات المماثلة للفيديو البئيس، التي يشكل تكرارها عودة صريحة إلى تلك السنوات الرصاصية، التي انتزعت من خيرة أبناء الشعب المغربي سنوات ذوات العدد في السجون والمنافي، فضلا عن قوافل من الشهداء…

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية