في الحاجة إلى رؤية المستقبل

كشك | 26 سبتمبر 2017 على 13:33 | آخر تحديث 26 سبتمبر 2017


171

لقد أخفقت الصيغ القديمة لممارسة السياسة ببلادنا، وما علينا أمام ما يحدث اليوم في الساحة المغربية من رجات وتراجعات وهدم للقيم والأسس التنظيمية للعديد من الإطارات التي باتت عقبة في وجه التطور ولا حول لها ولا قوة لها، إلا أن تعيد النظر في شكل ومضمون التنظيمات السياسية الحالية، والتفكير في اعتماد صيغ جديدة في التنظيم والعمل والتواصل، قائمة على مصالحة النخب والمثقفين والنشطاء المدنيين مع الشباب والنساء والأطر الصغيرة والمتوسطة، ووقف كل أشكال الانقسام بين الشعب وهؤلاء جميعا.

فالديمقراطية المغربية تعيش اليوم أزمة حقيقية، خانقة، ولم تستطع التخلص من ثقافة الاستبداد ومن المحسوبية والزبونية، لبناء مجتمع العدالة الاجتماعية. بل أكثر من ذلك، أصبح دستور المملكة في واد، والواقع في واد آخر. وهذا خطير جدا، يشجع على هيمنة السوق المتوحشة، والشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال، و تغييب العدالة الضريبية، وغياب المحاسبة والمساءلة والعقاب، في غياب رؤية واعدة لمستقبل أفضل.

فأي عنوان قد نختاره اليوم للمرحلة؟ بداية، لعل ما يجب التذكير به اليوم، أن العقد الأول من القرن الماضي، ورغم الحالة الاجتماعية والثقافية لعموم الناس آنذاك، كانت قيم الدفاع عن الوطن من المستعمر كافية لتصنع الوطنية والوطنيين المتشبعين بالاستقلال كهدف أسمى ونبيل من أجل التحرير والوحدة والأمن والاستقرار.

أما المرحلة الثانية، فعرفت بمرحلة المد الشيوعي والاشتراكي عبر العالم، ورغم سلبيات الأنظمة الشمولية وما خلفته من جرائم وجراح وإبادة للحرية والديمقراطية، إلا أنها صنعت جيلا من المناضلين المؤمنين باديولوجية الثورة والتغيير والكفاح من أجل نظام اقتصادي واجتماعي وثقافي جديد. كما تميز الجزء الثالث من القرن العشرين، بعالم الحرب الباردة وباقتسام الدول لتسهيل استغلال خيراتها، والسيطرة الثقافية والتربوية والايديولوجية على شعوبها.

وكانت مرحلة دخول العالم بكل أجزائه في العولمة، وفي الانصياع لشركات عملاقة، عالمية الرأسمال والانتشار، هي المرحلة التمهيدية لهيمنة الشبكات الاجتماعية وأشكال وطرق التواصل، وهو ما عجل باكتساح السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة، من دون الحاجة للمنتخبين والبرلمانيين والمستشارين، وبتغيير قواعد اللعبة الديمقراطية. فهل حزب ما أو تنظيم ما هو السبب في ثورة الانترنيت وما ترتب عنها، والإعلان عن إلغاء الحدود بين الدول، وتحريك عجلة التواصل للانصياع لمصالح ذاتية، أنانية، فوضوية أحينا، وبدون بعد إنساني مرة أخرى؟ لا طبعا، لكن هذه الأحزاب، وهذه التنظيمات العتيقة والتقليدية والتاريخية، لم تجدد نفسها، ونخبها، ولم تجتهد في طرح برامج جديدة، ولم تستوعب حتى هذه الثورات وهذه التحولات الكبرى، إلى أن أصبحت في الهامش، من دون وعي بالمرحلة، من دون بوصلة، من دون روح متشبعة بالقيم، وليس بالاسترزاق السياسي المهادن للأصولية،ومن دون استعداد لا نفسي ولا معنوي لتقبل واقع جديد، وآليات عالمية عملاقة، تتجاوز القواعد الوطنية، والشرعية الدينية أو التاريخية. إن الواجب بات يفرضه علينا المواطن المغربي،الذي لم يعد يقبل أن نمثله بتنظيمات مهترئة، وبالسب والشتم والكذب، ولم يعد يقبل أن نرفع له شعارات لا تعبر عن همومه الحقيقية، ولم يعد يقبل السياسة الشمولية، المناقضة والمنافية للتسامح والحرية والإيمان بالاختلاف في إطار احترام الضوابط والمشترك بين الناس، ولم يعد يقبل النفاق السياسي والاجتماعي الذي تغذيه الأصوات العاصفة للكائنات السياسية المتباينة دينيا واجتماعيا.

إن الرؤية الجديدة للمستقبل القريب، في حاجة عاجلة ماسة إلى نظام اجتماعي جديد، قائم على العدل وليس على نظام سائب، وليس على الكذب والشح في المعلومة، وعلى الفوضى والعنف والقمع، و التعقيد واللبس، والخضوع للسلطة والتحكم بها.

إن الاستجابة لهذه الرؤية المختصرة والمركزة، هي ضرورة تاريخية لتأمين الماء والغذاء والتعليم والصحة والشغل والسكن والتنقل لكل المغاربة، هي ثورة هادئة ضد البورجوازية اللاوطنية، التي تعتبر اليوم المسؤولة الأولى عن الفساد الذي نخر جسم كل الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني بكل أصنافها، وهي مهمة مستعجلة لاسترجاع الثقة لدى نشطاء الحركات الاجتماعية ضد التسيب، والتضليل في العمل السياسي وفي المؤسسات التمثيلية، وفي حكومة عجوزة، فاسدة، تحرض على الفوضى وزرع اللااستقرار في الوطن.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية