كفى عبثا.. انتقالنا الديمقراطي لن يقبل القمع ولا الاستشهاد

كشك | 23 يوليو 2017 على 12:49 | آخر تحديث 24 يوليو 2017


2342

كفى عبثا.. انتقالنا الديمقراطي لن يتعايش مع القمع والاعتقال السياسي ولن يسمح باستشهاد المناضلين

 

بإعلان معتقلي حراك الريف الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام، يكون ملف الحراك، برمته، على مشارف تحوّل قد يجهض إمكانية حل لأزمة ظلت تراوح مكانها وتتعقد بفعل تعنت السلطات العمومية وعجزها عن إدراك كنه حراك يمتزج فيه الاجتماع بالتاريخ.

حراك الريف إعلان عفوي عن استياء الناس من الحيف الاجتماعي، وامتعاضهم من الأحزاب والنقابات والجمعيات والمؤسسات المنتخبة، التي رأوا أنها اهتمت بكل شيء إلا معاناتهم واحتياجاتهم وما كان باديا من مؤشرات غضب عارم، ويأسهم من انتظار سياسات عمومية لا تعرف كيف ترتب الأولويات بتجويد وتحديد مواعيد تنفيذ المشاريع التي خصصت للمنطقة. حراك الريف هو كل هذا ممتزجا ومفعما ومشحوذا بذاكرة محمد عبد الكريم الخطابي وبطش 1958/1959 وقمع 1984. مصرع محسن فكري لم يكن سوى النقطة التي أفاضت الكأس ولحظة التحول من صمت يضمر الصراخ إلى صراخ أفصح عما كان يعتمل في أفئدة وعقول ومعيش أهلنا هناك.

ثلاث معطيات غيرت ملامح الحراك وجعلته أكثر قساوة ونقما وإصرارا

أولا: تجاهل الجميع، طيلة سبعة أشهر، لاحتجاجات تميزت بالتصاعد والثبات والإبداع والتعاضد، وبتعاقد سكان المنطقة والتفافهم حول ملف مطلبي صيغ في الساحات العمومية، وقيادة حظيت بالثقة والكاريزما في اختبارات الميدان وبتلقائية امتزج فيها صوت سيليا القادم من الجمال وحدّة محمد جلول الآتية من خمس سنوات من الاعتقال وصرامة ناصر الزفزافي الناجمة عن المشهد المروع لما حصل لمحسن فكري وعن العطالة والفقر والشعور بالغبن وبلامبالاة المسؤولين وبالكثير من الإحالات على التاريخ.

ثانيا: بيان الأغلبية الحكومية الأخرق والسيء الذكر، الذي كال تهمة النزوع نحو الانفصال لحركة احتجاجية لم تفعل سوى أنها ساءلت انتقالنا الديمقراطي عن العدالة الاجتماعية وامتحنت حقيقته الحقوقية وذكّرتنا، جميعا، بأن هيئة الإنصاف والمصالحة لم تستكمل، بعد، مهامها في الفصل بين مرحلتين عبر طي مجلدات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الناس بعد قراءتها مليا حتى لا تتكرر وجبر الضرر الفردي والجماعي والمصالحة مع الضحايا أناسا وجهات، وأتصور، والحالة هاته، موقف الفقيد إدريس بنزكري، وهو يشاهد ما يحدث الآن، بعين الرصانة في التأمل والقدرة على الاستشراف والحزم في مجابهة حراس الاستبداد.

ثالثا: اعتماد القمع ومباشرة الاعتقال في صفوف النشطاء وركوب خيار المقاربة الأمنية غير المحسوبة العواقب على السلم المدني والسمعة الحقوقية وعلى جراح لم تندمل بعد من فرط الغباء.

بالرغم من كل ذلك، مازال يأمل من قلوبهم على الوطن وقضايا الناس، في توصل العقلاء وذوي بعد النظر ومن قرأوا تاريخنا وتجارب الشعوب من حولنا جيدا، إلى تسوية تحفظ كبرياء الدولة، وتحقق مطالب المحتجين، وتعيد طرح الأسئلة الحقيقية للمرحلة حتى نستطيع صياغة أجوبة تعفي مسارنا الديمقراطي من التعثر والتردد والمتاهات.

إلا أن ارتباك التعامل مع الوضع من قبل مثلثات ومربعات ودوائر، جعله أكثر اختقانا واحتقانا وتأهيلا للانفلات.

أربع عناصر تحمل في ثناياها قانون الكم والكيف، دخلت على الخط ومن المرجح أن يكون لها تداعيات على الحراك وعلى حالة الترقب الماثلة وعلى التجاذبات بين أصدقاء الخيار الديمقراطي وخصومه وعلى خريطة الفرز التي ستحصل داخل الدولة وداخل المجتمع في المدى المنظور.

أولا: تنامي أشكال الاحتجاج الفردي والجماعي، حول كل شيء وأي شيء، في العديد من مناطق البلاد وتصاعد صيغ دعم حراك الريف والتضامن مع معتقليه وتمثل قيمه ورموزه.

ثانيا: اتساع رقعة التضامن مع الحراك والتنديد بتعاطي الدولة مع مطالب الريف وارتفاع منسوب الفعل الاحتجاجي وانتقاله إلى العديد من العواصم عبر مغاربة العالم المتحدرين من المنطقة والهيآت المشتغلة في مجالات الهجرة وحقوق الناس ومجابهة العولمة في الخارج.

ثالثا: قرار المعتقلين على خلفية الحراك، الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام وتحت شعار لا يترك أي هوامش للتدارك، شعار “الحرية أو الشهادة” الذي يشعرنا، ومن الآن، بما قد يترتب عن هذه الخطوة من استشهاد لأي كان من المعتقلين وما قد ينجم عن الاستشهاد من توهج للغضب وغليانه وفورته في الريف وعموم المغرب وبعض الأمكنة الحساسة في صناعة الرأي العام الدولي.

رابعا: الدعوة إلى تنظيم مسيرة 20 يوليوز التي انتقت موعدا موغلا في الدلالات والرمزية والوقار، دعوة كانت أعلنتها قيادة الحراك قبل أن تسجن وأكدتها من داخل السجن وانتشر التجاوب معها على نطاق واسع عبر التراب الوطني وفي أوساط الجالية، مما يجعل مآلها غير قابل للتوقع خاصة بعد إصدار السلطات قرارا بمنعها لحيثيات مازالت تقارب الموضوع من زاوية أمنية صرفة تحت غطاء الإدارة.

عندما تركت الدولة سعيدة المنبهي تموت في معركة للأمعاء الفارغة شتاء عام 1977، كان المغرب يعيش على صدى صراع شديد القساوة بين السلطة السياسية والاتحاد الوطني للقوات الشعبية بجناحيه السياسي والبلانكي، وعلى وقع مواجهة مفتوحة بين الحكم الفردي المطلق واليسار السبعيني الذي اعتبر جوهر الإشكال في مضمون النظام وفي شكله أيضا، وحين بات جليا أن الوضع الصحي لبوبكر الدريدي ومصطفى بلهواري ينبئ بالاستشهاد في الإضراب عن الطعام صيف سنة 1984، طلب بعض المغتربين قسرا، آنذاك، في فرنسا تدخل الرئيس فرانسوا ميتيران لتفادي كارثة إنسانية وحقوقية كاملة الأركان، فكان جوابه مليئا بالحكمة والمعطيات، حين قال لمخاطبيه “لا أجد شعرة تميز القوى التقدمية نفسها عن النظام في هكذا ملفات”، لأن مكونات الحركة الوطنية والديمقراطية، باستثناء منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، لم تكن تتحمس كثيرا لقضايا الاعتقال السياسي، عندما يتعلق الأمر بفصائل اليسار الجذري. استُشهدت سعيدة والدريدي وبلهواري واللائحة طويلة، وعاشت العائلات فصولا أخرى من الجحيم، و تألمت الضمائر الحية، وبقي عالقا في الأذهان زمن الأقبية والحجاج والجلادين. كانت الكلفة السياسية ثقيلة وتعمق اقتناع الرأي العام، في الداخل والخارج، بأن المغرب فيه مؤسسات وانتخابات وحكومات، لكن لا مكان فيه للديمقراطية والحريات وحقوق الناس.

بعد كل تضحيات شعبنا وقواه، وتعب الدولة، إبان حكم الملك الراحل، من خيار الاستبداد الذي أوصل البلاد إلى عنق الزجاجة على كافة الأصعدة، وأنهك اقتصادها وأزّم وضعها الاجتماعي، الذي كان ينفجر بشكل دوري، وتفّه مؤسساتها التي لم تكن هوامش تحركها، الضيقة للغاية، تعمل إلا بإذن المجال السياسي التقليدي ومراعاة الأمزجة، وإثر صدور تقرير البنك العالمي الشهير عام 1995 الذي تحدث عن السكتة القلبية والتقرير الصحي عن حالة الملك الحسن الثاني الذي أمهله سنين معدودات، وسياق نهاية مرحلة من التقاطبات الدولية، إبانه، ومعها دعم المعسكر الغربي المطلق لحلفائه في الحرب الباردة، الذي أصبح مشروطا، بعد انهيار جدار برلين، بالدمقرطة واحترام حقوق الإنسان وأشياء أخرى، بدء تهييء شروط انتقال سلس للحكم من ملك إلى ملك وتحويل التناوب التوافقي إلى تناوب حقيقي نابع من صناديق الاقتراع وهلمجرا خطوات ومبادرات وقرارات، إلى أن جلس محمد السادس على العرش صيف 1999 وأعلن عن المفهوم الجديد للسلطة والتنمية والحكم تحت عنوان بارز هو الانحياز، وبلا رجعة، للخيار الديمقراطي، فعشنا عودة السرفاتي وإبعاد البصري ورفع الإقامة الإجبارية عن ياسين ومضينا في العدالة الانتقالية والإنصاف والمصالحة وفتحت الأوراش المهيكلة وجاءت مدونة الأسرة والشغل والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وصيغ مقترح الحكم الذاتي وتصور جديد لعلاقات المغرب الدولية وخطاب اختلالات الإدارة والكثير من المبادرات، وانجلى توجه اسمه إنجاز التراكمات لإحداث طفرة الانتقال نحو الديمقراطية، رغم بعض الأخطاء المرتبطة بتصور إصلاح الحقل السياسي، التي اقترفت منذ الخروج عن المنهجية الديمقراطية خريف 2002 وما تلاه من تعسف على عناصر التحول التي كانت تعتمل في المشهد الوطني.

من حقنا الادعاء ان المغرب استقر على وضع لا مجال فيه لمصادرة الحريات وقمع الاحتجاج والاستئثار بالسلطة وبالثروة ولا يستقيم فيه ما يجري الآن مع الخيط الناظم لكل ما حكم مبادرات الدولة منذ 1995. لذلك نظن أن الأصل هو التشبث بسبل الانتقال الديمقراطي وأن الطارئ هو تطاول بعض الدوائر على ما تحقق حتى الآن.

خمسة تدابير كفيلة بتغيير الوضع في الاتجاه الصحيح

أولا: تنقية الأجواء السياسية بإطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية الاحتجاج السلمي بالشكل الذي يتلائم مع القانون وصلاحيات الملك المخولة دستورا. وفي هذا الصدد، سيكون من الأجدر للمتحدثين عن الفرق بين إطلاق السراح والعفو، أن يصمتوا قليلا، فالوقت ليس فيه متسع للمزايادات الجوفاء.

ثانيا: فتح حوار جدي حول مطالب 05 فبراير 2017 التي أجمع عليها المحتجون واعتبروها كافية ليعودوا إلى منازلهم وتعود الحياة بالريف إلى طبيعتها، مع ممثلين عن الحركة الاحتجاجية بحضور شخصيات تحظى بالمصداقية ليكونوا شهود عيان على ما سيتفق حوله وجزءا من آلية متابعة التنفيذ، ولسنا في حاجة إلى تذكير من يهمهم الأمر بالسقف الاجتماعي لتلك المطالب والذي وضعه القائمون على الحراك وحرصوا عليه وصانوه من أي اختراق.

ثالثا: إعادة إطلاق برنامج “الحسيمة منارة المتوسط” بدينامية جديدة وانتقاء مقاولات مشهود لها بالإمكانيات واللوجيستيك والموارد البشرية المؤهلة لإنجاز المشاريع في المواعيد المحددة.

رابعا: تعيين هيئة مكلفة بتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، التي تهم الحكامة الأمنية واستقلالية القضاء وجبر الضرر الجماعي والتصالح الحقيقي مع المناطق التي تعرضت للاضطهاد، وسيكون من النبل والحكمة والقطع مع الماضي الأليم اتخاذ خطوة استرجاع رفات محمد بن عبد الكريم الخطابي لتجد مرقدا على أرض الوطن.

خامسا: محاسبة كل من ثبت تورطه في تعطيل المشاريع التي يدشنها الملك وفي التنكيل بالناس وتأجيج الاحتقان بدل نزع فتيله في الريف وغيره من المناطق وإعادة تأهيل أعوان وأطر ومسؤولي كافة القطاعات على مستوى التواصل مع المواطنين والإصغاء لانتظاراتهم والقرب منهم وإشراكهم في صياغة الحلول وفي مراحل ترجمتها على الأرض.

هذه تدابير استعجالية لمعالجة المستعجل في انتظار نقاش وطني عميق لوضع خارطة طريق للمستقبل، مستقبل لا يتكرر فيه سقوط انتظارات المغاربة من أجندات الحكومات والمؤسسات والنخب، وإن حدث فالديمقراطيات تسمح بالانتخابات السابقة لأوانها وبقول الحقائق الأربع في وجه من يحترفون السياسة على سبيل الاسترزاق، حتى وإن تملقوا لصناع القرار أو اختبأوا في عباءة الدين أو جلسوا على اليسار أو لبسوا كل الأقنعة.

هناك حدث قادم قد يكون حاسما في إرجاع الأمور إلى نصابها وتخليص البلاد من القلق ورفع اللبس الذي يؤوّل لفائدة جيوب مقاومة التغيير. الأمر يتعلق بخطاب العرش المرتقب والذي، من المؤكد، أن الراغبين في تسوية أحوال سكان الريف ومعالجة المعضلة الاجتماعية في شموليتها واستئناف انتقالنا السلمي والهادئ نحو الديمقراطية، بعد استخلاص العبر والدروس والمعاني مما حصل، من المؤكد أنهم يراهنون على ما سيفصح عنه الجالس على العرش ونحن على مشارف استكمال عقدين من العهد الجديد، ومن المرجح أن تطلعهم إلى الخطاب لن يخذل لا محالة.

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية