نخبة مخروبة تجرّ اليسار للانكسار

كشك | 7 أغسطس 2017 على 10:06 | آخر تحديث 7 أغسطس 2017


538

لنبدأ الحكاية من تونس..

خاض اليسار معارك ضارية، ضد الرجعيتين، السلطوية والظلامية، لم يستكن إلى خوانجية النهضة، ولا إلى أغلبيتهم المتحصلة من التجارة بالدين، وتمكن من تحقيق حقوق ومكتسبات بطابع “ثوري”، من قبيل مصادقة البرلمان، قبل 10 أيام، على مشروع قانون يجرّم العنف ضد النساء، وينص على منع تعدد الزوجات، ويمنح المرأة حق تطليق زوجها والمساواة في جميع مجالات العمل، بما في ذلك المجال السياسي، بل أكثر من ذلك، ألغى بندا من القانون الجنائي، يتيح إفلات مغتصب لقاصرة من الملاحقة القضائية في حال زواجه من الضحية.

لنعرج على لبنان..

المفكر الماركسي محمد علي مقلد، رفيق الشهيد مهدي عامل، طرح يوما، سؤالا جوهريا عن سبب هزيمة مشروع اليسار في لبنان، وتساءل عن العائق الذي منعه من تنفيذ مشروعه في تعزيز النظام الديمقراطي وإلغاء الطائفية السياسية؟ فكان أن أتاه الجواب: اغتيال رفيقه مهدي عامل، ضمن سلسلة اغتيالات راح ضحيتها عشرات القادة الشيوعيين الكبار برصاص “حلفاء الخندق الواحد”!

لم يكن الجواب يهم فقط سبب هزيمة مشروع اليسار، بل شكل، أساسا، إدانة صارخة لمجموعة داخل الحزب الشيوعي اللبناني أرعبها الصعود الناهض لحزبين دينيين، حركة أمل وحزب الله، فتحسست رقابها ودعاها جبنها إلى التحالف مع “حلفاء الخندق الواحد”، فكان أن أفلتت بجلدها، فيما من وقف ضد التحالف، من خيرة كوادر ومفكري اليسار العربي، صاروا هدفا لعصاباتهما الإجرامية، فلاحقتهم واحدا واحدا، وقتلتهم شر قتلة، فاستطالت لائحة الشهداء، من مهدي عامل وحسين مروة وسهيل طويلة وخليل نعوس وميشال واكد ونور طوقان ولبيب عبد الصمد، وصولا إلى الشهيد جورج حاوي…

وبعدما كان الحزب الشيوعي اللبناني أكبر وأجدر مدرسة للنضال ولليسار، تحوّل إلى الهامش، ومعه تداعت للانهيار أكبر مجلتين منارتين لليسار: “الطريق” و”النهج”… وبدأت تتبدد تضحياته الكبرى في مواجهة الاستبداد، وصولا إلى الإعلان عن نهاية مشروعه الوطني الديمقراطي… لم يكن هذا المآل المنكسر هزيمة لقيم ومبادئ اليسار، وإنما هزيمة تنظيم بسبب نخبة منه مهزومة، رهنت نفسها لأحزاب دينية تشد التاريخ إلى الوراء، لا تعترف بالآخر ولا بتداول السلطة، ولا ترى صيغة لوجود التعدد، إلا لمن يقبل أن يسبح في محيطها، فشرعت نخبة اليسار المهزومة تهرول للتحالف مع تلك القوى الدينية، التي هي أول من تصدى وتصدر وعرقل وأعاق تنفيذ شعاراتها في التقدم والدمقرطة…

لنحط الرحال في المغرب..

ما تقدم، بكثير من الاختزال لزوم المقال والمقام، ليس مجرد حالة قُطرية، بل هي حالة عامة، من المحيط إلى الخليج، لنخبة من اليسار مهزومة، قد ترفع السقف اللفظي، فيما جوهرها يوجه ضربات موجعة لمسيرة النضال الشعبي من أجل التقدم والدمقرطة، من أجل دولة المؤسسات، التي تسع الجميع، دون أي إلغاء للتنوع والتعدد، والتي تتحقق فيها الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية للجميع، للرجال والنساء، بمساواة كاملة على حد سواء…

نخبة مهزومة ترامت للتحالف والتوافق مع قوى لا تؤمن بحرية الفكر والاعتقاد، وأحرى أن تقر بسمو القانون الدولي الإنساني على القانون المحلي، وبالطابع الكوني للحقوق الإنسانية والمواطنية، وفي مقدمتها المساواة الكاملة ورفع كل أشكال الميز ضد النساء…

في المغرب، وصلت نخبة الهزيمة في اليسار إلى درجة قصوى من الانهيار، الذي تغطي عليه بـ”الجملة الثورية”، التي لم تعد مكلّفة، كما كانت في السنوات تلك… نخبة منطبعة بالخنوع والخضوع لـ”تعليمات” حليف الخندق، الذي خرج في مسيرة اختار أن يطبق فيها الفصل بين الجنسين، وتطويق ومحاصرة نساء “الحلفاء” ممن لا ينضبطن للتعليمات…

وكان لافتا أن النخبة إياها سارعت للاجتهاد في إبداء الولاء للتعليمات، وأول خطوة كانت حرص الرفيقات على الابتعاد، في المسيرات، عن كل “المظنّات”، وفي مقدمتها محاذير “الكاسيات العاريات”، ثم ألْحقْن بُرهان اللباس بعلامات الرضى والإرضاء، من خلال “الفصل الجنسي”، في المسيرات، فبدأنا نشهد الدفع في فصل النساء عن الرجال، بالبدء في تأسيس إطارات لتسويغ الفصل في النضال والاحتجاجات، وبدأنا نعاين مسيرات ومظاهرات خاصة بالنساء في البيضاء والرباط، وتحوّلت “الأيقونات”، إلى وجه آخر من عملة “القنديلات” و”الثريات”…

في نخبة اليسار المهزومة، هذا حال النساء الثوريات، أما الرجال الثوريون، فبدأوا يشجعون، ويتظاهرون في الفايسبوك، ويلاحقون “الثوريات الثريات” بالجيمات أو اللايكات، ومنهم من تأخذ منهم الحماسة مأخذها فيشاركون في مسيرات النساء…

وبحكم استقواء نخبة اليسار المخروبة بالظلاميين، أصبحت هي من توجه الاتهامات لكل اليساريين، الذين يتصدون للتحالف مع الظلامية، وأصبحت تتصدر الساحة على ظهر كتائب اللحاية…

وبعد ذلك، مازال من يأتي ليتساءل عن طريق اليسار الحافل بالفشل والانكسار؟

ليس مشروع اليسار التغييري هو الفاشل، وإنما نخبته المخروبة المهزومة المنكسرة…

 

 

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية