هيبة الدولة من هيبة مواطنيها

كشك | 26 يوليو 2017 على 10:52 | آخر تحديث 26 يوليو 2017


145

بالتأكيد واحدة من بين الأسباب التي تدفع الدولة الى تطبيق القانون و تنزيله منذ التطورات الأخيرة التي شهدتها احتجاجات الحسيمة إلى الآن هو القناعة التي بدأت تتشكل لديها بضرورة عودة فرض هيبة الدولة و سلطتها، و هي قناعة تولدت منذ رئاسة عبد الإله بن كيران للحكومة من خلال التدخلات الأمنية التي كان يغطيها و يوفر لها الغطاء السياسي و يدافع عنها سواء تلك المتعلقة بما كان يسميه ب ” احتلال المؤسسات العمومية” أو المسيرات التي كانت تنظم في الشارع خاصة من قبل الموظفين و المعطلين من حاملي الشهادات العليا، بالتالي هي قناعة ليست وليدة اللحظة بل نتيجة تراكم داخل أجهزة الحكومة يتم ترجمته اليوم بشكل واضح، و لأن الأمر يتعلق باحتجاج أصبحت جل الأنظار مركزة عليه فقد نال قسطا وافرا من الاهتمام و التحليل، و نال كذلك حجما كبيرا من حيث القرارات الحكومية التي طالت هذه الوقفات و المسيرات بدعوى دائما الحفاظ على هيبة الدولة، لكن و نحن نناقش منطق هذه ” الهيبة” لابد من الإشارة و التأكيد على أن لا أحد ضد سيادة القانون، و لا ضد المؤسسات و سيرها العادي بل على العكس من ذلك الجميع مع القانون، و مع تطبيقه السليم، لكن من حق المتتبع أن يتساءل هل التشبت بفرض ” هيبة الدولة” لا حدود له، و ألا سقف له، بمعنى، متى يمكن للدولة أن تتنازل قليلا عن ” كبريائها” مقابل احتضان أبناءها، فاليوم و من خلال المسيرات التي نظمت بالحسيمة لسنا أمام تمرد على الدولة، و لا على مؤسساتها، بل بعض من مؤسساتها الرسمية خاصة على الصعيد المحلي و الوزاري هم من تسببوا في هذه الاحتجاجات عندما لم تنفذ المشاريع الاجتماعية التي التزمت بتنفيذها أمام الملك و الشعب، و هو التزام للدولة و لمسئوليها مادام هؤلاء الذين قدموها يتقلدون مناصب داخل الحكومة أو في الإدارة المغربية.

فالمتظاهرين عندما خرجوا للشارع لم يخرجوا ضد بنية الدولة، و لا رغبة في لي دراعها، بل احتجاج على سلوك بعض مسؤوليها الإداريين و السياسيين، كذا توجهوا لها، و خاطبوها، و توجهوا لرأس الدولة و خاطبوا المؤسسة الملكية كمؤسسة ضامنة لاستقرار السير العادي للحياة العامة، الأكثر من ذلك عندما تعالت أصوات تدعو للخروج للشارع يوم 30 يوليوز الذي يصادف عيد العرش، أكد المعتقلين و أسرهم، و المحتجين أنهم ضد هذه الدعوات، و اعتبروها تحريفا و خيانة للاحتجاجات و لقضيتهم.

الصورة اليوم واضحة، نحن أمام احتجاج لا يهدف إلى تقويض دور الدولة، بل إلى تعزيزه من خلال دفعها الى الاستجابة لمطالبهو التعجيل بتدخلها، و إعلان إقليم الحسيمة  كمنطقة تحتاح لالتفاتة حقيقية، تحقق المصالحة الشاملة التي انطلقت بين سكانها و الدولة و برزت مع زيارة الملك للمنطقة سنة 2004 مع الزلزال، لذلك من يريد وضع الدولة في موقف الضعف، أو في موقع المستهدف، هو يريد من الاحتجاجات أن تستمر، و لا يريد الحل بل يبحث عن تأزيم الوضع و دفع الجميع نحو المواجهة.

الدولة تحافظ على هيبتها، بمعنى سلطتها البعيدة على التخويف، من خلال الاستجابة لمطالب الشارع، و النظر فيها من موقع أنها مسؤولة على الاستجابة لها، و على البحث في كيفية تنفيذها، و اعمال العقل، و سلطة القانون ليس بمعناه الزجري فقط، بل بمعناه الانساني الذي يحقق غاياته، أولها العدل و المساواة، بهذا تحقق الدولة هيبتها و هبتها اتجاه مواطنيها، لأنها تكون بذلك دولة راعية، تدخلية، لا دولة تظل في موقع المتفرج على كرة الثلج و هي تعلو، و تنمو الى ألا يستطيع أحد السيطرة عليها، أو دفعها للتراجع لتقوم بفرض سلطتها.

الدولة مطالبة باحتضان أبناءها، ليس بمنطق بطريركي، و لا سلطوي أو أبوي، لكن بمنطق أنها تستمع لنبض الشارع، و تتجاوب معه، و تتحدث معه بلغة الحقيقة، و ان كانت عاجزة في تحقيق مطلب ما تخبر مواطنيها بذلك، فلا مفر في وقت الأزمات من الحديث بلغة الوضوح، و لغة تعلو فيها مصلحة الجميع المؤسسات و الشعب على مصلحة خاصة لفرد، أو لجهة ما تقدم رواية معينة لتسلسل الأحداث قد تكون مغلوطة، أو تغليطها، لا ضير في التراجع قليلا، و في الانحاء قليلا، بالمقابل كذلك لا يمكن أن نتعامل مع الدولة بمنطق لي الذراع، و الضغط عليها لحد انفجارها، و دفعها لتبني مقاربة أمنية صرفة، فالشارع و احتجاجاته مطالب كذلك بانتظار تفاعل الدولة و مؤسساتها الدستورية خاصة الضامنة لحسن سيرها مع الاحداث و مع المطالب، فعملية تبادل الرسائل يجب أن تتم و تقرئ بتأني و تعقل.

هيبة الدولة من هيبة مواطنيها، في لحظات الأزمة تتحقق الهيبة باعمال منطق رابح رابح، في النهاية الوطن هو من ستتحقق هيبته.

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية