الريف… البركان المتوسطي

كشك | 7 يوليو 2017 على 18:41 | آخر تحديث 24 يوليو 2017


43

نعت المجال الريفي بـ«البركان المتوسطي» لم يكن بمنطق المقارنة الجيولوجية مع «الفيسوفيو» أو «الاطنا»، البركانين الإيطاليين المتواجدين قرب مدينة نابولي وبجزيرة صقلية، لكنه تشبيه للغليان السياسي الذي يؤثر على البحر المتوسط ويسطر حدود مقارباته الأمنية. «البحر الجامع» هو لقاء بين شعوب وجغرافيات وحركات إنسانية، عرف سلاما أنجب حضارات من جهة، وفترات من التوتر أفرزت صراعات استعمارية وتحررية وحربية وثورية من جهة أخرى.

انهيار الاتحاد السوفييتي وتأسيس الاتحاد الأوروبي، حرب البلقان، إضعاف القومية العربية، القضية الفلسطينية، تعويض مصر بالسعودية كمحور للعالم العربي، تفكيك العراق وسوريا وليبيا واليمن، الزعزعة الإرهابية لأوروبا، الإسلام السياسي والجهادي الذي أضحى مستقلا عن الولايات المتحدة، بروز قوى إقليمية كإيران وتركيا، كلها عوامل تتدخل في قراءة التحولات المعقدة للمجال المتوسطي، لعل ابرز تجلياتها أشواط الربيع العربي الذي يستكمل إحدى دوراته بمنطقة الريف المغربية.
هذه التغيرات لم تجب على الإشكالية الجوهرية الموجزة في شعار «مركزية الثروة دون مركزية البشر»، شعار متداول بين القوى العظمى تسبب في كل الفوارق الترابية المنتجة لعدم الاستقرار وسوء التنمية والهجرة الجماعية والإرهاب، الراجعة لانعدام التوزيع العادل والحوار كمداخل أساسية لمستقبل المنطقة القادم على منافسة عالمية مع قطبيها الصيني والأمريكي.
إنها مفارقات أسست لـ«نكسة الاستقلالات» في الوعي الجماعي الموقظ لحركات ثورية ومغذٍ لغضب متصاعد تجاه الحاكمين في دول القوس الجنوبي للمتوسط. هذه الأقطار منساقة في غالبيتها إلى مسلسلات ديمقراطية متعثرة، غارقة في فوارق اجتماعية ونزاعات حدودية ومصالح الدول الغربية غير المنسجمة مع حاجياتها. الشباب مثلا، الثروة اللامادية لهذا الفضاء الشرقي في غرب المتوسط، تفتقر إلى هياكل التكوين ومناصب الشغل والأمن المبني على الحق و القانون، تشعر بتهميش يفسر تنقلها نحو البلدان الغنية وتعاطفها مع الأصولية ومساهمتها في توتر هذه الشعوب المغبونة المتعايشة مع واحات الحداثة السطحية البارزة وسط بحار الفقر.
إنها حلقة مفرغة تحمل نفس الأسباب التي تترتب عليها نفس الآثار في هذا البركان المتواجد بين بوغاز جبل طارق و الحدود الجزائرية المعروف تاريخيا بـ«الريف». إنه إقليم مغربي يتميز بوعي جماعي يتمحور حول فعل المقاومة ورمز عبد الكريم الخطابي المنتصر على حرب امبريالية في عشرينات القرن الماضي وتجربة الجمهورية ومخلفات التهميش الممنهج للملك الراحل الحسن الثاني منذ 1958 وتنظيم اقتصادي مستقل بعائدات الهجرة والصناعة الدولية للمخدرات.
و رغم محاولات المصالحة التي خاضها الملك محمد السادس من خلال الاعتراف الثقافي والبنية التحتية المجسدة في الموانئ والطرق مطلع القرن 21، حافظت المنطقة على طاقة ثورية تفجر من حين لآخر لأسباب داخلية وخارجية، آخرها كانت وفاة بائع السمك محسن فكري عام 2016 في الحسيمة، عاصمة الريف القريبة من حاضرة أجدير المعقل التاريخي للمنطقة ولزعيمها الخطابي، التي انتفضت للتنديد بنزع ملكية الشاب المتاجر ودهسه بشكل مأساوي داخل شاحنة للنفايات.
أحداث ولدت حركات احتجاجية عرفت مداً وجزراً في تعامل السلطة معها، تحولت من مظاهرات ذات الطابع الاجتماعي إلى حركة سياسية تضامنية شعبية وطنية بعد انحياز الدولة إلى المقاربة الأمنية. لم يعرف المغرب مثل هدا الحشد الجماهيري منذ حركة 20 شباط/ فبراير2011 التي تفاعلت مع الربيع العربي، قامت بالتذكير بمطلب العدالة و الديمقراطية الذي يخفي إلى اليوم تعبيرا عن إحساس دفين بـ»وهم التنمية». إنه انعدام للثقة في الحكم الذي يتحول أحيانا إلى تحدٍ، راجع لغياب الإصلاحات المؤسساتية المفتقرة إلى شرعيات سياسية أو لعدم تنفيذ مشاريع مهيكلة تم تحديدها مسبقا كما هو الحال منذ مسلسل الجهوية الذي انطلق في 2007 من اجل حل نزاع الصحراء المستنزفة للاقتصاد المغاربي من 1975. فإذا تشابهت الشعوب المغاربية ورموزها في القرن 21 بأمثال الزفزافي في المغرب أو البوعزيزي في تونس، يظل المغرب محكوما بنظام ملكي يحظى بتوافق منقسم بين مؤيدي الملكية التنفيذية والمنادين بصيغتها البرلمانية.
وعلى مستوى الفعل المؤسساتي، تتجلى خصوصيته في الازدواجية بين الحكامة التقليدية والمقاربة العقلانية للدولة التي تحولت إلى انفصام يتسبب في إفلاس الحكومات المتتالية أمام الحركات الاجتماعية التي تتضخم وطنيا و دوليا. لذلك يحاول النظام التوفيق بين القدرة على إصلاحات دستورية وتبني المقاربة الأمنية التي تستثني كل المخاطر المحتملة كما هو الحال في أزمة الريف:
ومن جهة تتعرض المظاهرات لعنف تحت غطاء شبكات التواصل والتكنولوجيات الحديثة، يتجاهل احتمال مواجهات بين المتظاهرين ورجال الأمن أو صدى العمليات لدى المقاتلين الريفيين في «الدولة الإسلامية» وتوليد ظاهرة «الجزائريين الأفغان» في التسعينيات بعودتهم إلى ارض الوطن، أو حتى مدى تأثير الجالية الريفية على المؤسسات الأوروبية والأممية المندمجة فيها.
من جهة أخرى يعرف هذا الحراك متابعات قضائية يتعرض على إثرها أكثر من مئة متظاهر للاعتقال من اجل «تهديد أمن الدولة وزعزعة الولاء للدولة والتحريض على الوحدة الترابية»، جرائم تذكرنا بمحاكمات القرن الماضي عندما كان لطليعة المعارضة آنذاك -الاتحاد الوطني للقوات الشعبية – جناح مسلح وللمؤسسة العسكرية حس انقلابي شهده المغرب في 1971 و 1972.
نضيف ظاهرة جديدة تتعلق بهيمنة الدين في ضبط الحقل الاجتماعي: اعتقال الزفزافي أحد الوجوه البارزة في حراك الريف، من أجل اعتراضه على إمام مسجد لخطبته المناهضة للمتظاهرين، ما يبرز تناقض العقل السياسي للدولة لو اعتبرنا أن الفعل المدان يتطابق والقرارات الملكية لسنة 2014 التي تمنع استعمال السياسة في الدين والدين في السياسة.
وفي كل مرحلة من مراحل الاحتجاج الجماهيري، يكون لهذا المنطق الأمني عودة، ليحور النقاش إلى قطبية مصطنعة توهم الرأي العام بتعارض المدافعين والمعارضين للملكية، مما يوفر الشروط الموضوعية للسلطة لتكليف نفسها بحماية الملكية من التهديدات المفترضة.
من خلال هذه الدورات السياسية التي تسائل الأنظمة حول ما يليق برقي الشعوب وازدهارها، تواجه الدولة المغربية استحالة تسطير خط ثالث بين التحكم والديمقراطية وبين اختيارات مدمرة لبلدان هشة اجتماعيا ورد فعل ديني وهوياتي لشعوب متطلعة لترجيح الاستقرار الاقتصادي عوض الأمني وتشجيع بديل عن الأصولية كانت درعا للتحكم في الأمس القريب. فمتى الذهاب بالعقل الجماعي إلى توحيد الرؤى حول الإصلاح الداخلي كشرط لإعادة بناء العلاقات المتوسطية واسترجاع العمق الحضاري «للماري نوستروم»؟ في 1872 قال المفكر والسياسي الفرنسي فيكتور هيغو في قصيدة «لمن يدهسون بالأقدام»: «الحس الطيب يتغذى بالوضوح… لذلك وعدت نفسي أن أطالب بالخبز والنور».

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية