20 يوليوز.. وأفق آخر لزمن الاحتجاج

كشك | 22 يوليو 2017 على 18:02 | آخر تحديث 24 يوليو 2017


134

يوم أول أمس، الخميس 20 يوليوز، لم يكن كباقي الأيام الأخرى، في الحسيمة، وفي عموم الوطن.. كان “تمرينا ديمقراطيا”، تخللته تجاوزات، من هنا وهناك، نترك تقييمها إلى حين، باعتبار استمرار سريانها في زمن مفتوح على تحولات، قد ترتقي إلى تطورات…

في محطة 20 يوليوز، أفرزت الجماهير نشطاءها، وأشكال تنسيقاتهم لبلورة الخطط المعتمدة لتنفيذ المسيرة، بدءا من التكتم على ساعة ومكان انطلاقها، لتشرع في خروج متزامن عبر جماعات متعددة بأحياء متفرقة، ثم تتلاحم في الطريق عند محور محدد من منعرجات السير التظاهري، مع تحرك تكتيكي لتشتيت الإنزال الأمني، عبر تنويع نقط الانطلاق والمرور عبر الأزقة للتلاقي في الساحة… كانت مسيرة حضارية بالتزام واضح بمبدأ السلمية…

فيما ظهر، أيضا، بوضوح لافت، خروج عناصر ملثمة بعدد هامشي، لا يعكس جوهر المسيرة، تعتمد خيار المواجهة العنيفة، التي تستهدف إشعال نيران المواجهات، كما ظهر “نشطاء” يغذّون التوتير والتصعيد، واستهداف نسف أفق التعبير الديمقراطي السلمي، الذي راكمته القوى الوطنية الديمقراطية على مدى عقود من النضال الديمقراطي، الذي قدم المغاربة في سبيله تضحيات مريرة من حريات وحيوات أبنائهم…

في مقابل هذه الصورة، اختارت الحكومة المواجهة من البداية، عبر قرار المنع، وتعليله بالقانون، واللجوء إلى القمع لفرض ما تراه “احترام القانون”، فيما كان من الممكن اللجوء إلى خيارات أخرى أبرزها اثنان: الأول، ولو أنه قد يبدو غير مجد، لكن لا شيء يمنع من أن يكون سالكا، ويتعلق بفتح نافذة، وليس بابا حتى، للحوار، من خلال فعاليات في الميدان، أو من خلال المعتقلين في سجن عكاشة، أو من خلال وسطاء مدنيين.. والثاني، وهو راجح ووازن وفاعل وفعال، ويتعلق بما يمكن تسميته “التغاضي المراقب”، وأول خطوة منه الاستنكاف عن الخروج بإعلان رسمي بالمنع، وترك المسيرة تأخذ مجراها، وتكتفي القوات العمومية بالتتبع والمراقبة، قد تحدث خلالها بعض الاحتكاكات الخفيفة، لكن في النهاية ستمر الأمور بسلام، وبسلمية، تؤكد حضارية الفعل الشعبي، ورقي رد الفعل الأمني، بما يعطي صورة مضيئة عن الممارسة الديمقراطية في البلاد… بيد أن الأمور مضت بشكل متسارع، الإعلان الرسمي عن المنع، وتزكية الحكومة لقرار الداخلية، وتزكية الأغلبية لقرار الحكومة…

كان من الممكن التعامل مع الوضع بصورة مغايرة، وإيجابية، على قاعدة التجاوب مع السكان في مطالبهم، إذ يفترض أن تقوم الحكومة بدورها كاملا كحكومة، وأن هؤلاء المواطنين الذين يقفون في مقابلها، أو حتى في مواجهتها، هم، في النهاية، مواطنون، صحيح عليهم احترام القانون، إذ لا دولة ولا حاضر ولا مستقبل خارج القانون، وخارج المؤسسات، مختلف المؤسسات، الدستورية منها والشعبية والمدنية، لكن صحيح أيضا على الحكومة التعامل بإيجابية أكبر مع انتظاراتهم لإحقاق حقوقهم المواطنية والإنسانية، وفي المحصلة، التعامل المتحضر مع سكان، هم أبناء الشعب المغربي، وليس التعامل الزجري مع محتجين وكأنهم تحوّلوا إلى خصوم… فيواجهون بالتطويق الأمني لمداخل ومخارج مدينة الحسيمة، عشية المسيرة، ثم التدخل الأمني لتفريق المحتجين لتطبيق قرار منع المسيرة، واستعمال الغاز المسيل للدموع، واعتقال العديد من المتظاهرين لتوقيف المسيرة…

فما العمل الآن؟

نعتقد أن هذه الوضعية يجب أن تنتهي، وأن يتحمل الجهاز التنفيذي مسؤوليته، في التعامل مع الاحتجاجات، فقد مرت البلاد بأكثر من ذلك في السنوات الأخيرة، ويبقى الأساس هو العمل، بكل الإمكانيات والآفاق المتاحة، لاستيعاب الاحتجاجات، وليس الانحسار ضمن مقاربة متعالية تستهدف الهيمنة على الاحتجاجات.. تكسير هذه المعادلة ضرورة ملحة، اليوم قبل الغد، لوضع حد للاحتقان، وخلق بوادر الانفراج، والحسم نهائيا، مدنيا ورسميا معا، مع أي مقاربة، تفضي إلى الأبواب المسدودة والاحتمالات المجهولة…

لقد بات الشارع المغربي متعودا على كل مظاهر الاحتجاج، من أجل مطالب نقابية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وأصبح هذا السلوك تقليدا إيجابيا في إطار دولة الحق والقانون، بما يمنع الاحتقان، ويبقي على قنوات التواصل والحوار بين مختلف الفاعلين. لكن الوضع الموجود، اليوم، في الحسيمة، بات خارج هذه المعادلة… والمطلوب اليوم، من الجميع، الاستفادة من دروس 20 يوليوز، والجلوس إلى مائدة الحوار، بكل الأشكال الممكنة، المباشرة وغير المباشرة، والاستكشاف الجماعي أو التشاركي، للمداخل الحقيقية للحل، من أجل حسيمة جميلة، من أجل ريف كريم وأصيل، من أجل مغرب ديمقراطي يسع الجميع…

التعليقات

error: لا يمكن إجراء هذه العملية