العودة إلى مدغشقر

لم تعد مدغشقر تعني للمغاربة مجرد أرض منفى بعيد، احتضن ملكهم الشرعي محمد الخامس، ولم تعد تعني لهم مجرد اعتبار تاريخي رمزي وعاطفي في مرحلة حرجة، وإن كان هذا الرمز باقٍ وسيبقى في الذاكرة الشعبية والتاريخية كمحطة فاصلة في سياق النضال الوطني من أجل التحرر والاستقلال…

ولكن الجديد هو هذه الرؤية الواضحة لارتباط ماضي وحاضر ومستقبل أمة، وارتباط أمل الاستقلال، الذي حفّز الحَميَّة الوطنية لآبائنا من خلال النضال والتضحيات مع كل الاعتبارات العملية، التي تكرس هويتنا المغربية والإفريقية، وحيث يتحدد اليوم سريانها في مختلف ربوع القارة بفضل الجهود الديبلوماسية الملكية المشهودة، والتي قادت جلالة الملك محمد السادس مؤخرا في جولته الثانية إلى افريقيا خلال شهر واحد، وإلى مدغشقر في زيارة رسمية ضمن جولة استهلها بإثيوبيا، وتشمل عددا من الدول الإفريقية.

فعندما أقدمت السلطات الاستعمارية على نفي محمد الخامس، الملك الشرعي، إلى مدغشقر، كانت تحاول أن تضعه في أبعد نقطة يتعذر فيها الاتصال بشعبه والتأثير عليه، ولكنه ظل، رغم ذلك، يتابع ما يجري ويدور، ويتابع الرجة التي أحدثتها انتفاضة المغاربة، بسبب نفيه، في مراكش وفاس ووجدة والقنيطرة وسيدي قاسم وتطوان وطنجة وباقي المدن والقرى المغربية. وهي الانتفاضة، التي أربكت السلطات الاستعمارية في مختلف مستعمراتها، وحيث أفزع الفرنسيين انتقال العدوى إلى مستعمراتهم بإفريقيا، بسبب المكانة التي يحظى بها المغرب وملكه في إفريقيا.

عندما يعود حفيد محمد الخامس إلى مدغشقر في زيارة رسمية لهذا البلد، خلال شهر نونبر، الذي يحتفل فيه المغاربة بعيد استقلالهم، فإن الحدث يحمل أكثر من معنى ودلالة، حتى بالنسبة للملغاشيين، ما جعل وزيرة الشؤون الخارجية بهذا البلد تقول إن “هذه الزيارة تشكل مصدر فخر للملغاشيين كافة… الذين سبق أن استقبلوا بحفاوة كبيرة المغفور له الملك محمد الخامس خلال فترة نفيه من طرف الاستعمار الفرنسي”.

لهذا، فإن الزيارات المتتالية لجلالة الملك محمد السادس إلى إفريقيا، تتخذ مكانتها ودورها في سياق رؤية ملكية لمركزية البعد الإفريقي في السياسة الخارجية للمغرب، كاستراتيجية وإعادة تعريف سابق لصيغ التعاون جنوب-جنوب، واستحضار للبعد التاريخي وللبعد الإفريقي للهوية المغربية، الذي هو جزء أساسي من حضارة المغرب وقوته، وترسيخ لحقيقة وجود المغرب كقطب أمنٍ واستقرار وتنمية بالقارة.

ولا شك أننا، في خضم هذه الرؤية والاستراتيجية الملكية، نلمس الإجابات الواضحة في عدد وحجم اتفاقيات التعاون، التي توقع بمناسبة هذه الزيارات الملكية لدول إفريقيا، والتي تهم كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كشكل من أشكال الطرح المباشر والفعلي لهذه الرؤية الاستراتيجية.

ولكن الإشكال، الآن، هو مدى المطابقة الدائمة والمستمرة لهذا الجهد والاستثمار الديبلوماسي الملكي مع درجة استيعابه من قِبَل المكونات السياسية الوطنية، وفي مقدمتها الحكومة، وهي المجهودات الملكية، التي تقتضي منا جميعا أعلى درجة من درجات الاستيعاب، وتوفير حقول الاستقبال السياسية الملائمة، وما هو معيار التمييز الذي تستند إليه هذه القوى السياسية في ملاحظتها للمحيط وطنيا وإقليميا ودوليا.

والإشكال مطروح أيضا حول قدرة القوى السياسية الوطنية في معانقة هذه الاستراتيجية الملكية بأبعادها الشمولية، ومن خلال أفعال ملموسة على أرض الواقع، أفعال تستجيب لتطلعات ملك وشعب، ليس أقلها تقوية الجبهة الوطنية، التي لم يسبق أن شهدت تصدعا كما يحدث لها الآن، ونحن نشهد، للشهر الثاني، غياب الحكومة، وفشلا في تشكيل الأغلبية، في ظل أجواء محتقنة تؤسس لخلل سياسي اقتنعنا مضطرين بأن نسميه أزمة سياسية.