خلع إمام

خلع إمام

أدى أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس مرفوقا برئيس جمهورية نيجيريا صلاة الجمعة بالمسجد الوطني بأبوجا، في مشهد روحاني يجسد أبهى معاني التلاحم الديني والوجداني بين شعبين عريقين.

وفي الوقت الذي كان الخطيب يشيد ويرحب بزيارة أمير المؤمنين لهذا البلد الذي تربطه بالمغرب وشائج إيمانية، تتمثل في وحدة المرجعية الدينية والمناهج التعليمية: وحدة في العقيدة الأشعرية ووحدة في المذهب المالكي وفي القراءة القرآنية، التي قال عنها الخطيب إن “المسلمين في نيجيريا يعتزون بكون ذلك كله تحدر إليهم من المغرب الشقيق”. في هذا الوقت، كان بعض المصلين أو غير المصلين ينزلون خطيب جمعة بمسجد يوسف بن تاشفين بالعاصمة العلمية للمملكة بفاس من على المنبر، احتجاجا على قرار توقيف الخطيب السابق للمسجد من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، هكذا دون مراعاة للحرمات المسجدية ولا احترام للإمام الخطيب المعين، ولا لجموع المصلين، ودون تفكير بعض المصلين منهم في بطلان جمعتهم ولغوهم وجهرهم بالقول.

ما يعنينا من تزامن هذه الصور في المشهد الواحد أثناء صلاة الجمعة بالبلدين، والذي ربما قد تكون وحدها الصدفة قادت إليها، هي أنها وقعت معا وشوهدت معا واهتم بها الرأي الوطني معا، وربما خلقت في النفوس رمزية وتأويلا. وهذا ما يجعلنا ندرك أن أقل ما ينعت به ما حصل بفاس يوم الجمعة الماضية هو تشويش على المنظومة الدبلوماسية الدينية التي يقودها أمير المؤمنين، قبل أن يكون تطاولا على حرمة مسجد، أو احتجاجا على قرار إداري طال خطيب جمعة أو إمام.

لا شك أن العابثين بسكينة مسجد يوسف بن تاشفين بفاس لن يوضحوا لنا الأسباب الحقيقية التي كمنت وراء ما قاموا به على نحو لم يسبقهم فيه أحد من المغاربة، عندما خططوا ودبروا واستخدموا الأساليب القديمة إياها، قولا وفعلا، ولا يسعنا إلا أن نبدي حيال هذا دهشتنا من هذا الطموح السياسي الزائد عن اللزوم الذي جعلهم يبسطون “شرعيتهم الدينية” الخاصة بهم في مسجد فاس، ولسان حالهم يقول ما قاله الأنصار في المدينة المنورة، بعد أن اشتد الصراع عقب وفاة النبي: “منا أمير ومنكم أمير”، فأفهمهم المهاجرون أن توزع السلطة يؤدي إلى توزع الأمة التي كان الجميع حريصين على وحدتها حرصهم على الإسلام نفسه.

والخلاصة أن انتهاك حرمة المسجد بالطريقة الغير مسبوقة التي تمت بها بفاس، هو إعلان لبدعة وعصيان سافر في دولة المؤسسات، التي منها المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه الملك أمير المؤمنين، وهو سلوك ليس وليد قرار إداري متعلق بخطيب أو إمام، ولكنه سلوك ناتج عن خطاب سياسي، ساد في السنوات الأخيرة، محرض ومحذر ومشكك في مؤسسات الدولة ساهم في نشره حزب رئيس الحكومة، الذي يتأبط العفاريت والتماسيح أكثر ما يتأبط برنامجا واضحا للحكم. وقد لاحظ الجميع كيف امتدت آثار هذا الخطاب في شقه الديني-السياسي بالمطالبة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، برأس وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبانتقاد شديد لاستراتيجية إعادة هيكلة الحقل الديني.

لسنا هنا بصدد شرعنة أو بحث قانونية قرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تجاه الإمام السابق للمسجد المذكور، وعلاقة ذلك بما حدث، لأن ذلك يستوجب معالجة مستقلة ورؤية منهجية مختلفة للأشياء، ولكن فقط لأن الصور التي أحاطت بالاعتداء على مكان العبادة وإنزال إمام من فوق منبر تنذر بما لا تحمد عقباه. وهو خروج آثم عن كل أشكال الاحتجاج القانوني والحضاري في دولة المؤسسات التي نريدها، ومحاولة يائسة لإدراج المساجد في معترك السياسة، كما أن هذه البدعة هي مظهر سافر لتمظهرات الخروج عن الأمة، وتحديد مسبق لموقف جماعة من الإمامة. وقد ينتهي الأمر، لا قدر الله، كما انتهى الأمر بالخوارج، على عهد علي، برغبتهم في إقامة سلطة بديلة على قاعدة أمة بديلة، كما قالوا.

لهذا، لا يجب أن يمر هذا الحادث السابقة عابرا دون أن ننتبه إلى خطورته، سواء بفتح نقاش حوله أو بالنقد والسجال الحجاجي، الذي لا يعني بالضرورة أن أحدنا مصيب والآخر مخطئ، فالحقيقة تختلف صورها ووجوهها، ووحده الاحتكام للقانون كفيل بإجلائها.

لقد سبق أن قال القضاء كلمته مؤخرا في قضية تتعلق بترويع المصلين، وسفك دمائهم، عندما أصدرت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بتطوان حكما قضى بالسجن المؤبد في حق شخص تسبب في قتل ثلاثة مصلين بمسجد الأندلس بتطوان، عندما انتهك حرمة مسجد فجرا. كما سبق للمحكمة الابتدائية بتارودانت أن أدانت، شهر يناير الماضي، بالسجن مجموعة أشخاص قاموا بإغلاق مسجد للصلاة، بجماعة سيدي بورجا. وليس المجال هنا لسرد تعليل قرارات القضاء حول النازلتين، ولكن الشيء بالشيء يذكر.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
فؤاد العماري
-->