الحدود المغربية الجزائرية وإنعاش الأزمة

الحدود المغربية الجزائرية وإنعاش الأزمة

انشغل الرأي العام الجزائري منذ مطلع هذا الشهر بعدة أحداث خاصة، تم تداولها في الإعلام بشتى أصنافه، لها ارتباط بواقع الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية، وفي إطار السياسة التي تخوضها الحكومة الجزائرية من أجل دعم مسارها التنموي، وبمنهج معالجته أو كيفية محاولة حل الصعوبات الإقتصادية والإجتماعية بهذا البلد الشقيق.

من هذه الأحداث التي نوردها لدلالتها وارتباطها بهذه الأوضاع، المنتدى الإفريقي للإستثمار والأعمال الذي احتضنته الجزائر مؤخرا من الثالت إلى الخامس من هذا الشهر، ويهدف بحسب المنظمين، حكومة وفعاليات ومؤسسات قطاع خاص، إلى بحث إمكانية الإستثمار الجزائري بالقارة الإفريقية، ومحاولة رأب الصدع والتراجع الذي تعرفه علاقات هذا البلد مع القارة الإفريقية.

أهمية هذا الحدث لم تكمن في مستوى أو حجم الخلاصات التي انتهى إليها هذا المنتدى، ولا بعدد المواضيع والإتفاقيات التي تم التطرق أو التوصل إليها، ولكن بالأصداء التي خلفها لدى مختلف المنابر الإعلامية إنسحاب الوزير الأول الجزائري، مرفوقا بأعضاء من الحكومة من القاعة التي احتضنت اللقاء أثناء إلقاء رئيس المقاولات/ الباطرونا بالجزائر لكلمته بالمناسبة. ما حذا بالمتتبعين إلى الإعلان المسبق لفشل المنتدى، بل أضافت بعض المنابر الإعلامية أن الحجم المعلن للمشاركين مبالغ في، لأن القاعة كانت شبه فارغة، وأن الجزائر ليست في مستوى تنظيم تظاهرة قارية، فبالأحرى منافسة قوى أجنبية على الإستثمار بهذه القارة.

الحدث الثاني يتمثل في التصريح الذي أدلت به وزيرة التضامن الوطني والأسرة بالجزائر، في مقاربة بحثها عن الحلول الجديرة بمواجهة الأزمة المتفاقمة، قالت ما مفاده، أنه يتعين على النساء الأطر في الوظيفة العمومية التخلي عن رواتبهم لفائدة خزينة الدولة، إن كان لديهن أزواج يعيلهن، وهو ما نجم عنه تفاعل قوي غاضب وناقم في شبكات التواصل الإجتماعي، ولدى بعض المنظمات الحقوقية، ومنها المنظمات التي تعنى بالحقوق المدنية وبالمساواة بين الجنسين.

الحدث الثالث ينصب حول تقرير أعدته جريدة بريطانية وازنة هذه الأيام يحذر من تداعيات الأخطار التي قد تشكلها الجزائر على أوروبا والمنطقة برمتها بسبب الأوضاع المتدهورة، هذا التقرير الذي عنونته الجريدة البريطانية ب”كيف يمكن للجزائر أن تقضي على أوروبا”، تطرق إلى الفراغ المؤسساتي الذي يجسده مرض رئيس الجمهورية وغياب خلف له قادر على مسك دفة الدولة مما سيتيح للقوى الإسلامية فرصة الإنقضاض على السلطة، كما تطرق أيضا إلى توقعات سوداء بخصوص موجة النزوح واللجوء التي ستعم المنطقة وأوروبا بسبب التفجر المتوقع للأوضاع بالجزائر.

الحدث الرابع، وهو يطفح برمزية بليغة وصادقة، يتعلق بمضامين التصريحات التي أدلى بها بعض المواطنين الجزائريين بإحدى القنوات التلفزية الجزائرية، في إطار روبورتاج أو برنامج يتم تداولها في شبكات التواصل بالمنطقة المغاربية، حول تصورهم وموقفهم من فتح الحدود مع المملكة المغربية، إذ عبر كل المستجوبون عن رغبتهم في فتح هذه الحدود المغلقة بين البلدين، اللذان تجمعهما وشائج الأخوة والمصاهرة والقربة، خصوصا في خضم الأزمة التي يعيشونها وانسداد آفاق الشغل والتنمية، كما عبروا أيضا أن من شأن فتح الحدود خلق فرص عديدة لتجاوز هذه الصعوبات.

هذه الأحداث وغيرها التي أثثت الفضاء الإعلامي بالجارة الجزائر نسوقها في إطار استنتاج واستقراء في نفس الآن، لأنها تترجم حجم الصعوبات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تعيشها، بفعل عدة عوامل لعل أبرزها تدني عائدات الغاز والبترول الذي تعتمد عليها الجزائر بشكل كبير في موازنتها. وهي على غرار باقي الدول السائرة في طريق النمو تواجه تحديا داخليا مريرا من أجل التنمية. فنمط هذه التنمية وشكلها وكيفية تعبئة الموارد الإقتصادية والبشرية، يطرح بالضرورة آثاره على مواضيع سياستها الخارجية، والتي يشكل فيها المغرب قطب الرحى وآلية مثالية لضبط الصراع داخليا، واستدامة الأزمة، كما تمثل مظهرا لعدم رغبة السلطات الجزائرية في إحداث تحول إيجابي في مسار العلاقات المغربية الجزائرية، وذلك بالكف عن معاكسة كل التوجهات من أجل إقامة اتحاد مغاربي كفيل بنقل هذا المشروع الذي داعب آمال أجيال مغاربية متعاقبة، من الشعار إلى الوحدة القابلة للتكامل والنمو، والكف أيضا عن كل الأساليب المقيتة لمعاكسة وحدتنا الترابية التي تتبناها الجزائر إنطلاقا كما تقول من المبدأ المفترى عليه الذي هو مناصرة حركة التحرر، وتملك حد أدنى من الأمانة التاريخية في الخضوع للواقع والإعتراف بالأخطاء والسلبيات، حتى لو جانبت الحسابات السياسية الضيقة للفئة المستفيدة من هذه الأوضاع، لما فيه خير شعوب هذه المنطقة. والتي للإشارة لم تغير هذه الخلافات أي شيء ذو تأثير من تقارب الشعبين الجزائري والمغربي اللذان تجمعهما قواسم مشتركة. ولكن للأسف أيضا، فإن الطريق إلى الجمع بينهما أصبح من التعقيد والإلتباس ما يعجز عن فك رموزه وألغازه أي رأي شخصي.

لسلطات الجزائر أن تفتخر بحمل لواء ورعاية أطول صراع من مخلفات الحرب الباردة عمر على الأرض، نكاية في بلد شقيق وجار، فلكل فهمه للأشياء.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
فؤاد العماري
-->