إياك أعني واسمعي يا جارة

بحكمة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، اعتدنا، نحن المغاربة، التعايش مع جيراننا بمنطق يقوم على التعاون والدفع بالتي هي أحسن، ومددنا الأيدي، للمساعدة قدر الاستطاعة، قبل الاستقلال  وبعده، وإلى اليوم.

ولما استتب الأمر لـ”العزيزين” في كل من الجزائر وموريتانيا، ظننا أن لا أحد يستطيع فهم المغرب والمغاربة أكثر من هذين الرجلين اللذين عاشا ردحا من الزمن بين ظهرانينا، وخبرا قيمنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، التي قامت دائما على الوفاء والإخلاص واحترام العهود.

لا نستطيع تغيير جيراننا، ولكن بوسعنا التعايش مع المتغيرات التي تشهدها بعض بلدان محيطنا، شرقا وجنوبا، لحفظ الجوار، وهي قيمة نعتز بها ونعمل على تحصينها، بقدر حرصنا على حماية مكتسباتنا الديمقراطية، وتعزيز دور مؤسساتنا الدستورية، في محيط من المفترض أن يطبعه التكامل والتعاون، نظرا للقواسم المشتركة العديدة.

ذلك أن ما يربطنا بأشقائنا، في الجزائر وموريتانيا، من وشائج القربى والدم والتاريخ المشترك، لابد أن يشفع لأجيالنا في إقامة  جسور التلاقي، التي ستجعلهم قادرين، مجتمعين، على مواجهة التحديات، التي يعيشها العالم من حولنا، وهي تحديات لا يدرك حجمها وطبيعتها إلا من تشبع بروح العصر ومتطلباته وبشروط الديمقراطية وأحكامها.

إن ما يتملكنا من إحساس إزاء أشقائنا في موريتانيا يجعلنا نطرح التساؤلات عن طبيعة العلاقة بين بلدينا التي لا يبدو أنها على أحسن حال مما يجب أن تكون عليه، إذا ما صدقنا التقارير والتحليلات الإعلامية التي تبني معطياتها على وقائع تؤكد حالة “التشنج” التي تبعث على القلق.

أمام غياب المواقف الرسمية والمبادرات التلقائية بين الطرفين لاحتواء أي تداعيات محتملة لهذا “التشنج”، يُفسح المجال أمام بعض “الطفيليات” لتنشط في فضاءات واسعة، فنسمع عن تحركات لجنود جزائريين، وعن قاعدة وهمية يجري نصبها في مدينة لكويرة على مرمى حجر من حدودنا من طرف عصابة البوليساريو…

إننا إذ نفهم ما تتعرض له الشقيقة موريتانيا من ضغوط داخلية وخارجية، وإلا لما سمحت باستباحة حدودها الشمالية وتدنيس واجهتنا البحرية من دون أن يرف لعساكرها جفن، فإن هذا سلوك لا يمكن قبوله من بلد جار، في ضوء ما يعتمل في هذه المنطقة من نشاط قوى الإرهاب والتهريب الدولي العابر للقارات.

إن ما يمكن أن نعتبره أزمة قائمة في العلاقة بين المملكة المغربية وموريتانيا، لا ينبغى النظر إليها كأزمة علاقات ثنائية، بل إنها نتاج لما يعتمل في محيط إقليمي ملتبس ومتوتر، يُؤثر ويتأثر، ليُشكل وعاء للأزمات السابقة والآنية، وحتى اللاحقة.

هذا المحيط المتقلب، الذي أصبح يفرض ذاته على صعيد علاقات أطرافه في ما بينها، مدّا وجزرا، ما كان له أن يكون لولا أنانية السلطات الجزائرية التي تستثمر كل طاقاتها وإمكانياتها لتصريف أزماتها في محيطها وتوسيع دائرة الصراع، وذلك على حساب استقرار جيرانها ومصالح شعوبهم.

ومهما يكن من أمر جيراننا، فإن المغرب، القوي بتاريخه وبمؤسساته، حافظ دوما على رباطة الجأش في تعاطيه مع الأزمات المصطنعة التي ترتدي، في كل مرة، لبوسا مختلفة، وهو ما يزعج كثيرا الخصوم، ويولد لديهم ردود فعل عدوانية تكشف عما يضمرون.

لذلك، فإن على المغاربة أن يتوقعوا أكثر من هذا السلوك من جيرانهم، أمام الطفرة النوعية التي حققتها بلادنا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، عززت استقرارها، ورسخت نموذجها التنموي، إقليميا ودوليا.

كما أننا على يقين أنه سيأتي يوم يقف فيه جيراننا على سلامة اختيارات المغرب، وسداد آرائه وشرعية حقوقه الوطنية الثابتة، التي يتجاهلونها عن قصد في الوقت الراهن.

قناعة المملكة المغربية تبقى ثابتة في إقامة الاتحاد المغاربي، كإطار مؤسساتي للعمل المشترك، لتدارك الزمن المهدور، وذلك ليس لترف سياسي إقليمي، ولكن لحاجة ملحة تفرضها الظروف والمتغيرات الدولية التي نعيش أطوارها المؤثرة، ولا تحتاج إلى نباهة لإدراك تداعياتها وانعكاساتها على الجميع.