شُبهات إرهابية

يبدو أن مصير العالم أصبح متوقفا على حسم الصراع مع الإرهاب، الذي يدعي معرفته الخاصة بالدين سلاحا له، وإن كان الإرهاب لا دين ولا وطن له، فليس له هدف، لا في خير أو شر أو حق أو باطل، ولكن هدفه القتل والتدمير والترويع، كحل وحيد لإثبات الوجود، ولا يهمه من معارك الغدر التي يخوضها ضد الأبرياء سوى سفك الدماء وتحقيق أقصى صور المتابعة الإعلامية المكثفة.

لقد وفق الإرهاب إلى حد كبير في شد انتباه العالم مرة أخرى إلى أسلوبه المقيت، من خلال جرائم أشد جاذبية للانتباه بداية هذا الأسبوع، في أحداث بارزة، من بينها اغتيال السفير الروسي بتركيا، عندما كان يلقي كلمته في معرض للصور بعنوان “روسيا في عيون الأتراك” من قبل أحد ضباط العمليات الخاصة بالشرطة التركية بأنقرة. كما قتل، في نفس اليوم، الاثنين الماضي ببرلين، 12 شخصا دهسا وأصيب 48 آخرون بجروح، إثر اقتحام شاحنة سوقا في العاصمة الألمانية. هذه العملية جاءت بعد عدة ساعات فقط من تعرض مدينة الكرك بالأردن لهجوم إرهابي من قبل إرهابيين مسلحين. وطبعا دون أن نعد الجرائم الإرهابية التي تتم بشكل شبه يومي في العراق وسوريا وليبيا ومصر، وفي باقي الدول الأخرى، حيث أصبح العالم يعيش أزمة حقيقية بالنظر إلى حجم الخسائر الكبيرة في الأرواح البشرية والبنية التحتية الاقتصادية وتقويض سكينة الناس عموما.

وإذا كان تصور العالم لظاهرة الإرهاب والعنف، أنها ظاهرة تلتصق بالدول الإسلامية تحديدا، وبدول منطقة “الشرق الأوسط الكبير”، فإنها أصبحت تظهر للعيان أنها عابرة للقارات ولم تعد تستثني أحدا من دول العالم، كما أصبح ينظر إليها اليوم أنها ظاهرة معقدة ومتعددة الجوانب، ومن الصعب إيجاد حلول جذرية لها، على الأقل في المدى المنظور، كما أن دائرة الاختراق المؤسساتي، الذي حققه الإرهاب داخل أجهزة الدول والنسيج المجتمعي، اتسعت إلى حد خطير.

وعملية اغتيال السفير الروسي بتركيا، التي تمت على الهواء مباشرة، من قبل ضابط أمني، جعلتنا نتذكر عمليات إرهابية استعراضية أخرى، عندما اغتيل الرئيس المصري الراحل أنور السادات في 06 أكتوبر 1981، من قبل منظمة الجهاد الإسلامي، أثناء عرض عسكري بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر. أيضا ذكرتنا باغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف في 29 يونيو 1992، أثناء إلقائه خطابا في مدينة عنابة من قبل عسكري أيضا ينتمي إلى الجيش الجزائري.

ورغم تعدد واختلاف الأسباب والظروف في تحديد مجال هذه الجرائم الإرهابية، التي وقعت على المباشر، إلا أن هناك ما يشبه الاتفاق العالمي على أن الدين يراد به باطل، خصوصا عندما يتم توظيفه محرفا من أجل أطماع سياسية دنيئة، وهو ما يدل، بالمعنى والدليل، وعبر تداعيات التوظيف المنحرف للدين، على مأساة الإنسانية، وعلى مأساة الشعوب، عندما تصادر علاقتها بالله خالقها، ويصادر دينها، ويتم استعماله وقودا للصراع أو الادعاء بالتغيير.

الخطير من هذا، أن تنامي الظاهرة الإرهابية أدى أو أصبح يؤدي إلى انطواءات دولية ومجتمعية، خاصة لدى دول الغرب عموما، على إطارها التقليدي والقطري والديني والحزبي، كما أضحت القناعة لدى بعض هذه الدول، أن الانفتاح على شعوب وحضارات العالم خطرا قد يتهدد مصيرها، ويتهدد وجودها برمته.

وهذا ما حتم ويحتم بروز تصورات وقراءات جديدة للواقع الجيو-استراتيجي والجيو-أمني، بل وحتى الجيو-حضاري، إن جاز التعبير، وهو ما يشكل بذرة نمو تاريخي لمنظور جديد للعلاقات الدولية، بعيدا عن التعاون وعن التعارف، ويمكن اعتباره كذلك إعادة نظر عميقة في ترتيب هذه العلاقات، التي لن تكون مع الأسف لصالح بلدان “الشرق الأوسط الكبير”، التي يعاني الكثير من بلدانها من قوى وأحزاب توجهها، باسم الدين، مطامع وأهداف خفية أكثر ما توجهها مصالح دولها، وبأسلوب ومفعول مدمر لقيمة العمل السياسي الوطني، على نحو يحرف، في الآن معا، معنى الدين ومعنى الوطن، ويقدس الانتماء للجماعة الدينية، التي تتخطى حدود الدول، أكثر مما يعبر عن  الولاء لمؤسسات الدولة ولمصلحة شعوبها.