تتويج ملك

تتويج ملك

يتهيب المرء عند الكتابة عن أشخاص بصموا التاريخ بسيرتهم وفكرهم وسجل نضالهم وتضحياتهم وبشخصياتهم الفذة، وبمدى ما خلفوه عموما من آثار ورمزية تطبع السعي الدائم للأجيال قصد الإمساك بقيم المعنى الوجودي، الذي قاد مثل هؤلاء الأشخاص إلى ما أصبحوا يشكلونه ويرمزون إليه في أعين الناس.

من هؤلاء الناس نيلسون مانديلا، الذي منحت مؤخرا المؤسسة التي تحمل اسمه، مؤسسة نيلسون مانديلا، جائزة السلام لسنة 2016 لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نظير جهود جلالته الشخصية للدفع بالتنمية في القارة الإفريقية، ونظير دعمه للتعاون جنوب-جنوب، حيث حظى اسم الملك خلال كل أطوار الاجتماعات المتتالية لأعضاء المؤسسة بالإجماع ودون منافسة، ليتم اختياره في جميع مراحل التصويت كشخصية السنة في إفريقيا.

التاريخ الأصلي لإفريقيا، إذن، مازال يكتب كما صاغه من قبل بمداد الفخر، أشخاص من طينة نيلسون مانديلا، وباتريس لومومبا، وأميلكال كابرال، ومحمد الخامس… وغيرهم من قادة الاستقلال والتضامن الإفريقي، ومازالت المبادئ والمثل التي ألهمت نضال آباء الاستقلال، من أجل إفريقيا موحدة وقوية، تجد من يؤمن بها، بعيدا عن الصور النمطية التي ترسخت في مخيال الكثير من الناس عنها وعن سكانها، وهي صور مشوشة وحزينة وكاسرة للقلوب، وأما سكانها فهم فقراء بالطبيعة. وهي صور انتقاصية ساهمت في أن تكون منطلقا لسياسات التفرقة بين بعض دولها، التي قادتها أنظمة من القارة نفسها، مع الأسف، بصرف النظر عن التفصيلات والأحداث الكثيرة المؤلمة، التي شهدتها عدة مناطق من إفريقيا بسبب تكريس هذه النظرة البئيسة.

لهذا، فعندما تلوح فعليا في الأفق مبادرات للتعاون الإفريقي، تعدل أو تكسر هذه الصور النمطية، وتبلور الوسائل الممكنة، ومن خلال الجدية والمصارحة في تناول قضايا ومشكلات التنمية بدول القارة وسبل دعمها، لا يمكن لهذه المبادرات إلا أن تستأثر بالاهتمام، ومن أبرزها جهود جلالة الملك المشهودة والموصولة بإفريقيا، لرفع التحديات أمام كل أشكال التعاون والتنمية بهذه القارة، وأيضا استشراف المستقبل بروح جديدة متفاعلة ومغايرة لما اعتاده الكثيرون، في وقت تطبعه تحولات متسارعة، سياسية واقتصادية، عبر مختلف مناطق العالم. وهي جهود تعكس حجم الاهتمام المتزايد لجلالته بدعم التعاون جنوب-جنوب، من خلال تعدد الزيارات الملكية إلى البلدان الإفريقية، والدفاع عن مصالحها إقليميا ودوليا، وتوسيع التغطية الدبلوماسية للمملكة، وتقوية التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف على عدة مسارات، سياسية واقتصادية واجتماعية، مما أتاح إعادة تأسيس لخارطة طريق ملكية لعلاقة المملكة مع إفريقيا، وهي علاقة تستمد مصداقيتها وشرعيتها من الهوية المشتركة، وعمق الروابط المغربية الإفريقية، ووحدة المصير، ووحدة التحديات المطروحة، والتي لا يمكن تجاوزها دون اعتماد الأفارقة على أنفسهم، باستثمار قواهم الحية وجهودهم الخاصة، بعيدا عن الخلاف والصراع الذي فوت على القارة فرصا كثيرة للتنمية، وفوت كذلك فرص تحريرها من أتون مواقف بعض دولها الساعية لعرقلة التعاون الصادق وتأجيج الخلافات.

ولعل هذا المسار المتميز، الذي يقوده جلالة الملك، والذي يعزز صور تعاون نموذجي، جنوب-جنوب، مبني على التنمية والتضامن، وضع ويضع إمكانيات المغرب رهن إشارة بلدان القارة الشقيقة والصديقة في مختلف المجالات، ومن شأنه إعادة إحياء البعد الإفريقي لبلدان القارة في ما بينهم، الذي طالما حالت دون تجذره التوازنات السياسية.

والمقاربة المطروحة حاليا للإجابة عن مشاكل القارة تتسم بقدر كبير من الآمال المعقودة على تجسيد قيم التعاون كما سعى ويسعى إليها رجال وزعماء صدقوا في ما آمنوا به، لأنها هي مفتاح لفهم ما يجري، في سياق التحديات، التي تشهدها القارة، على مستوى أمنها المشترك، ومواجهة الإرهاب، الذي أصبح يهدد الأقطار، ومنها بلدان إفريقيا، التي قد تشكل ملاذا للفلول الإرهابية المندحرة من بؤر التوتر بالعراق وسوريا… إضافة إلى إشاعة الفكر الديني المبني على قيم الوسطية والاعتدال ونبذ الكراهية، ودعم أوراش التنمية المشتركة لبلدان القارة.

لهذا، فإن التتويج الذي حظيت به جهود جلالة الملك من قبل المؤسسة المذكورة برسم سنة 2016، إنما هو تعبير عن الاعتراف الإفريقي، وعن التمسك ببارقة الأمل، التي تجسدها المجهودات الصادقة لجلالته، بما يعبر عن طموح شعب عريق في معانقة أماني زعماء إفريقيا السابقين من أجل إفريقيا موحدة ومتضامنة…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
فؤاد العماري
-->