السياسة بين الجد والهزل

بعيدا عن كلمة “التحكم” التي أصبحت خفيفة على اللسان ثقيلة في “الميزان”، وتُستعمل للتضليل تارة، وللتشويش تارة أخرى، ولتعليق كل أنواع الفشل السياسي عليها في أحيان كثيرة، يبدو أن استعمالها المكثف في حديث الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، أمام أعضاء من الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، جعل معنى حمولتها يقوده، وهو يحلل المحيط الإقليمي، إلى اعتبار موريتانيا جزءا من المغرب، هكذا!

وإذا كان شباط قد استهواه استعمال هذه الكلمة، في حله وترحاله، فلأنه وجد في سياسيين آخرين سبقوه إلى الاستعانة بهذه الكلمة لتبرير فشلهم، ما يعزز جرأته الزائدة عن اللزوم.

ما حدث مع الأمين العام لحزب الاستقلال، جعله يبدو غريبا بما فعله في نفسه، وفي حزبه، وبما ساهم به في أن يحدث له ولحزبه معا، بدون تقدير للنتائج.

إن التصريحات التي أطلقها مؤخرا، وخدشت كبرياء الموريتانيين، وأحدثت جدلا واسعا حولها، ما كان لها أن تكون لو استندت إلى بصيرة أو منطق.

ومن الغريب أن المرء عندما يتطلع في لغة الخطاب السياسي الذي يؤثث المجال الحزبي ببلادنا، سيقف على لغة غريبة عبرت إليه، ليس من زمن سياسي إلى زمن سياسي، بل من إطار سياسي وحزبي خاص بها، وقد يكون أيضا إطارا شخصيا، إلى إطار سياسي واسع لم تعد رحابه تحتمل تعييرا أو تلميزا أو تنابزا أو قذفا أو ذما، خصوصا أمام فورة وسائل الإعلام والتواصل الحديثة.

فما بالنا إذا كان هذا الخطاب، بلغته الفظة، لفظا ومعنى، موجها إلى الخارج، والذي قد يؤدي إلى سوء فهم بنيوي في علاقة بلادنا مع محيطها الدولي. وهو ما حدث مع جيراننا الموريتانيين، للأسف، درجة أن يصف حزبهم الحاكم “الاتحاد من أجل الجمهورية” في بيانه، ردا على تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال، بأنها “إفلاس سياسي تعاني منه نخب مغربية أفلست ووضعت المغرب في عزلة”.

مثل هذه المواقف لها أثر بالغ في النفوس، وفي تحديد زوايا النظر للأشياء وللمحيط.

وبعيدا عن موريتانيا، يذكرنا هذا بما حدث مع روسيا التي قال عنها رئيس الحكومة المكلف، إنها تدمر سوريا. في وقت لم يكن بعد قد جف حبر الاتفاقيات التي وقعها المغرب وروسيا بموسكو تحت إشراف قائدي الدولتين. وفي انتظار أيضا ردود فعل أخرى من الرئيس الأمريكي المنتخب، الذي قال عنه أيضا رئيس الحكومة المكلف، إنه يخيفه (كيخلعني).

لماذا إذن تصلح السياسة أو الأحزاب، إذا لم تكن موازية على الأقل لطموحات وأخلاق المواطنين، أو تعكسها. وما جدواها إذا لم توفر لوطنها شروط تحقيق مصالحه.

إن العلاقات الدولية، كما هو معروف، وكما أصبحت عليه، هي في وضعية توازن معقد ودقيق، لا يشفع لها دين أو دم أو جوار، ولنا في جوارنا، على الأقل، عبر كثيرة.

وإذا كانت آذاننا قد صمت وأنوفنا أُزكمت، من فرط خطابنا السياسي الذي اعتدنا عليه، واعتدنا على المستوى الذي انزلق وانحدر إليه، في تراشقنا السياسي والحزبي، وقذفنا لبعض، وفي ارتفاع منسوب سم الكلام، الذي لا يغري في شيء ولا يقنع أحدا، فمن غير الملائم السعي الحثيث إلى نقل هذه الصورة الجماعية الداخلية عنا، إلى المستوى الخارجي، خصوصا إذا لم تحفز فينا شيئا مشاعر الانتماء للوطن الواحد، ولا ضرورة أن نضع أهدافه ومصالحه على رأس قائمة الأهداف الحزبية والشخصية الضيقة ومجاهل النفس السياسية.

لقد نبهنا كثيرا إلى الفراغ السياسي الذي تعاني منه البلاد جراء تلكؤ رئيس الحكومة المكلف في تشكيل أغلبيته، كما نبهنا إلى خطورة وتبعات الاستئناس بهذا الفراغ الذي له كلفته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي لن يتسع المقام لسردها، ومن أشد هذه التبعات ما تجره من أخطاء يقع في مصيدتها من يستمرئ حالة الفراغ، أو يحاول أن يشيد فيها هناءه، ومشروع وجوده بالسلطة، والذي في اعتقاده هو الحكم ولا سواه، بدون برنامج ولا رؤية ولا اعتبار لمصلحة الوطن والمواطنين.

لا نعطي بهذا دروسا لأحد، رغم أن الوازرة جد مغرية بذلك، من حيث إنها تفتح على الأقل هامشا لتسليط الضوء على وضعنا السياسي والحزبي كما ينبغي أن نستوعبه.

وحسبنا أن هناك دائما، حمدا لله، من يراقب ويُقوّم الاعوجاج ويتدخل عند الضرورة، درءا للمصائب…