راس العام.. هجري وميلادي وأمازيغي

راس العام.. هجري وميلادي وأمازيغي

من مكر الزمن، خلال العقد الأخير، أن حركة دوران الأرض والقمر حول الشمس بداية السنتين الميلادية والهجرية جعلهما تحلان في فترة متقاربة، بما يوفر للمغاربة مناسبة لتبادل الأماني والتهاني عن بداية سنتين جديدتين. ففي ثالث أكتوبر، احتفلنا بفاتح محرم، الذي يؤشر إلى بداية السنة الهجرية، أعقبه يوم 12 دسمبر عيد ميلاد الرسول محمد، وبعد 12 يوما حل الاحتفال بميلاد المسيح عيسى، وبعد ستة أيام، الاحتفال بالسنة الميلادية…

وبالإضافة إلى أعياد الميلاد، والسنتين الهجرية والميلادية، يحتفل المغاربة ببداية السنة الأمازيغية، المعروفة أيضا باسم السنة الفلاحية، ذات الجذور الزراعية والرعوية، وهي سنة شمسية، تبدأ يوم 13 يناير.

وهناك، أيضا، السنة العبرية، وهي سنة شمسية، تبدأ في فصل الصيف، وترتبط بوجود المغاربة ذوي الديانة اليهودية، قبل دخول الإسلام إلى المغرب، ثم بعد طرد اليهود والمسلمين من الأندلس، في مطلع القرن 16، واستقرار أعداد كبيرة منهم في المغرب.

ومعروف أن السنة القمرية، المرتبطة بدوران القمر حول الأرض، “تدور” في الاتجاه المعاكس لترتيب فصول السنة، وتكمل الدورة خلال حوالي 32 سنة، لذلك تحل المناسبات الدينية، مثل شهر رمضان، وعيد الأضحى، وفاتح محرم (بداية السنة الهجرية)، في فترات مختلفة من السنة الميلادية، المعروفة بالتقويم الغريغوري.

هكذا، يحتفل المغاربة ببداية السنة الهجرية بحمولة دينية، باعتبارهم مسلمين، لكن قبل الحقبة الإسلامية بعدة قرون، كانت استقرت في عاداتهم وطقوسهم احتفالات ترتبط بالحياة اليومية والنشاط الاقتصادي، منها بداية السنة الفلاحية، التي مازالت طقوسها قائمة في البوادي، خاصة في مناطق الشمال والأطلس وسوس، بالإضافة إلى ارتباطها بواقعة تاريخية، تعود إلى سنة 950 ق.م، عند انتصار القائد الأمازيغي شيشنق الأول في معركة حاسمة ضد قائد الفراعنة رمسيس الثاني، الذي كان، مثل سابقيه، ينظم هجمات متواصلة على بلاد الأمازيغ للاستيلاء على أراضيهم والسطو على خيراتهم، ما جعل الواقعة تعتبر أول حرب في تاريخ الانسانية يخوضها شعب لتحرير أرضه، فكان ذلك التاريخ نقطة انطلاق التقويم الأمازيغي، الذي يبلغ، بعد أسبوعين، 2967 سنة.

وقد ساهم في إعادة إحياء بداية السنة الفلاحية نشاط الحركة الثقافية الأمازيغية، التي توجت بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتناضل من أجل جعل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا بعطلة رسمية.

وعودة إلى يوم غد السبت، وبما أن المغاربة منخرطون، منذ زمن بعيد، في محيطهم الإقليمي والعالمي، من باب الفعل والتفاعل الثقافي والحضاري، فقد أصبح الاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة تقليدا شائعا في المغرب، خاصة في زمن العولمة وتكنولوجيا الاتصال الحديثة.

وهنا لابد من رفع مغالطة يروجها تيار الإسلام السياسي، مستغلا الجهل والحس الديني لأوسع فئات الشعب المغربي. إن الاحتفال ببداية السنة الجديدة لا يكتسي أي بعد ديني في مجمل أنحاء العالم، وبالأحرى لدى المغاربة، وإنما يتعلق الأمر بسنة إدارية تنظم المعاملات، إذ إن الاحتفال بميلاد المسيح، مثلما توافقت عليه الكنائس المسيحية، هو ليلة يوم 24 دسمبر، وبالتالي، لا علاقة له بـ”راس العام”…

الشعب المغربي، ذو الهوية الغنية بتعددها وتنوعها، لا يمكن أن يخاف من الآخر، بقدر ما لا يسعى إلى إخافة الآخرين، وبالتالي، فهو يمارس حقا طبيعيا في الفرح والاحتفال بمقدم سنة جديدة.

وبما أن المناسبة شرط، كما يقول الفقهاء، فلابد أن يتجه النظر، ونحن نودع سنة 2016، إلى حصيلة هذه السنة المنتهية، من زاوية ما يرتبط بالشأن العام للمغاربة.

سيحتفظ كثير من المواطنين بذكرى سيئة عن سنة 2016، عرفوا فيها الكثير من الإحباطات، ومن قمع الحركات الاجتماعية، ومن الزيادات الصاروخية في أسعار المواد الاستهلاكية، وفي تدني مستوى معيشة الأسر، وتفاقم البطالة، وتوالي الانهيارات في قطاعي التعليم والصحة، وزادت الكوارث الطبيعية لتكمل ما بدأته السياسات التدبيرية الفاشلة للحكومة بقيادة حزب الإخوان المسلمين بالمغرب، إذ ضربت الفيضانات العديد من المناطق، أتلفت المحاصيل وقتلت المواشي، وهدمت البيوت، فضلا عن  كثير من الاختلالات البنيوية في البنيات الأساسية، من طرف الحكومة، أو من طرف الجماعات المنتخبة، في المدن والبوادي، ومن طرف الجهات المسؤولة عن تطهير وصيانة قنوات الصرف في المدن الكبرى، نتيجة لرؤية قاصرة في التدبير، كانت تتجه إلى بيع كل شيء في البلاد، من الماء والكهرباء إلى الأزبال…

ومع ذلك، بل ورغم ذلك، نتوجه للجميع بأصدق التمنيات بسنة جديدة، نطل فيها على مغرب جديد، مغرب لكل المغاربة، ينعم فيه كل أهلنا الطيبين بعيش كريم، يختفي فيه البؤس والفاقة والفقر والمرض والبطالة والتشرذم والتهميش والتيئيس والتطرف والعنف، ويختفي معهم كل المخادعين والمنتفعين واللصوص والخونة والجهلة والمحتالين وتجار الدين… وكل عام وكل المغربيات والمغاربة بألف خير في مغرب سعيد جميل…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->