السلام.. بين الملَّاح والقدس

السلام.. بين الملَّاح والقدس

العام الجديد، الذي نستقبله 2017، ليس مجرد ملصق إعلاني، إنما هو تاريخ إنساني مشترك، يتملك الروحَ البشرية الشعورُ الجماعي للانتماء إليه، بما نترجمه في حياتنا الخاصة والعامة من سلوك وعمل وآمال وأماني، وبما نتطلع إليه من تحقيق للأهداف.

ولعلنا نجد أنفسنا محاطين بآثار وأصداء كثافة التفاعلات، التي يشهدها المجتمع الدولي بين عناصره من فاعلين أساسيين وثانويين، وفي مختلف مناطق العالم، والتي تحكمها جدلية أساسية، وهي جدلية الصراع والتعاون، وإن كانت الغلبة أصبحت تبدو وتتكشف لفائدة الصراع بكل أشكاله، الخفي والظاهر والمتوتّر والمنفجر، على حساب مبدأ التعاون الذي كان من المفترض أن يسود.

لقد استطاعت ساحة “الشرق الأوسط الكبير”، مرة أخرى، أن تحتل الصدارة في تطورات هذا الصراع، بالصور الأليمة التي نعرفها، وبالمعاناة الإنسانية التي تتعدى أي وصف، وبالشرخ العميق بين دول المنطقة، أنظمة وشعوبا وقبائل، وحيث الآفاق لا تتصف بأدنى حد من الاستقرار، أمام النسيج المتشابك لأوجه النزاع إقليميا ودوليا، وأمام تعقيدات اللوحات المركبة في لعبة الصراع والمصالح، وحيث يبدو التفكك يسري في أوصال دول المنطقة.

والواقع أن هذه الأحداث الأليمة لم تأت نتيجة طارئة لظروف دولية فحسب، بل كانت أيضا نتيجة تلازم يكاد يكون آليا مع القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بكل تفاصيله ومراحله، وبما تشكله مدينة القدس الشريف من مركزية قصوى في هذا الصراع، خصوصا أمام الحملة المحمومة للسلطات الإسرائيلية قصد تهويدها وطمس هويتها الإسلامية والحضارية والتاريخية، ضاربة بكل الشرائع والمواثيق الدولية عرض الحائط، فضلا عن سياسة الاستيطان، التي تنهجها كاختيار استراتيجي يعصف بالإنسان والمكان، في سعيها إلى تحقيق وجود يهودي دائم وكامل.

وفي الوقت، الذي أصبح قرار المنتظم الدولي الذي اتخذه مجلس الأمن مؤخرا بتاريخ 23 دجنبر 2016، بأغلبية ساحقة، يطالب إسرائيل بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وتقييدها تقييدا صارما بالالتزامات والمسؤوليات القانونية، بالرغم من ذلك، فإن السلطات الإسرائيلية مازالت تصر على عدم قبول قرار المجتمع الدولي، متحدية إرادة العالم في سيادة سلام دائم، على قاعدة وقف الاستيطان وحل الدولتين، الذي يقضي بإقامة دولة فلسطين إلى جانب إسرائيل.

وهي مبادرة أممية تحسب، بالمناسبة، للدول التي قدمت مشروع هذا القرار وهي نيوزلندا وماليزيا والسنغال وفنزويلا، في حين كان يمكن أن يحسب هذا الإنجاز لجمهورية مصر لو لم تسحب مشروع القرار في آخر لحظة، وهو القرار الذي لاقى تأييدا عالميا عبر مختلف دول العالم المحبة للسلام.

بالنسبة لنا في المغرب، الذي ما فتئ يدعم نضال الشعب الفلسطيني، فقد كان لافتا المبادرة التي قام بها جلالة الملك محمد السادس حينما أعطى تعليماته للسطات والهيئات المعنية من أجل إعادة الأسماء الأصلية لأزقة حي “السلام”، المسمى “الملاح” بمدينة مراكش يوم الجمعة الماضي، في تفاعل سام من جلالته مع رعاياه من الديانة اليهودية، حيث استجاب لطلب رئيس الطائفة اليهودية وممثلي هذه الطائفة خلال زيارته، بإرجاع الأمور إلى نصابها.

التعليمات الملكية، في هذا السياق، تؤكد حرص جلالته على الحفاظ على الذاكرة التاريخية لمثل هذه الأماكن، والتي تعكس أيضا ما جاء في باب التنصيص الدستوري على روافد الهوية المتعددة للشعب المغربي، بما يعزز النموذج المغربي ويزيد قوته. كما تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن حرص الملك على حقوق مواطنيه لا يوازيها إلا حرصه على نصرة الحقوق في العالم، وفي مقدمة هذه الحقوق حقوق إخواننا الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

مبدأ الحكمة، الذي حرّك جلالة الملك للحفاظ على الموروث اليهودي في مراكش، هو نفس المبدأ الذي يقود الضمير الإنساني المشترك للتنديد بالاستيطان ومخاطره، وبتهويد القدس وطمس معالمها الإسلامية، والاعتداء على مقدساتها. وهو المبدأ الذي أسس، على سبيل المثال لا الحصر، لمبادرة المملكة المغربية لاقتناء عقار تاريخي بالقدس يعرف باسم “بيت المغرب” في ممر “الآلام”، على بعد خطوات من المسجد الأقصى، إضافة إلى المبادرات الإنسانية النبيلة، التي تقودها وكالة بيت مال القدس، الذراع الميداني للجنة القدس، لتعطي المثال العملي لهذا التوجه الإنساني، الذي يتعين أن تحذو حذوه دول إسلامية أخرى مقتدرة.

ولابد أن تشكل مثل هذه المبادرات السلمية توجها في سياسات الدول المعنية من خلال تنسيق الجهود لحماية الذاكرة المشتركة في فلسطين والقدس، بما يعزز آمال العالم في تحقيق سلام دائم، سيساهم، لا محالة، بشكل فعّال في إخماد بؤر توتر مشتعلة تحيط بالمنطقة وبالعالم.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
فؤاد العماري
-->