عنف الهجرة

عنف الهجرة

قصة عنصر الأمن المغربي الذي فقد أحد عينيه، وزملائه الآخرين الذين أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة، ليلة رأس السنة، وهم يصدون محاولة أكثر من 1000 مهاجر غير شرعي يتحدرون من دول جنوب الصحراء لاقتحام السياج، الذي يفصل بين مدينة سبتة وباقي التراب المغربي. من المستبعد أن تحظى هذه القصة بالتفاتة في تقارير ومتابعات بعض المراكز والمؤسسات الحقوقية الأوروبية، التي اعتادت أن تشن حملات التشهير على المقاربة الأمنية المغربية في التعاطي مع مسألة الهجرة السرية، خاصة بالنسبة لإخواننا الأفارقة المهاجرين، الذين رأوا في المغرب بلد عبور فقط من أجل تحقيق أحلامهم بالانتقال إلى الضفة الأوروبية.

وبماذا ستصف هذه المؤسسات والمراكز، حتى على فرض إن تطرقت لهذا الحادث في معرض تقاريرها، ما تعرض له عناصر الأمن المغربي من أخطار جسدية؟ وبماذا ستصف أن تُفقأ الأعين، التي تحرس سكينة بلدانها وحدودها من النزوح الإفريقي؟

هل ستصف هؤلاء بضحايا الواجب الوطني، أم ضحايا الهناء الأوروبي؟ أم ستصف المغرب مرة أخرى بشتيمة أقل تهذيبا من قبيل البلد الذي لا تحترم فيه حقوق المهاجرين، خصوصا أمام رأي عام ضعيف إزاء الإعلام، يبتلع كل ما يتبلغه من اختلاقات وافتراءات؟!

وحتى الصحف الإسبانية، التي اهتمت بالموضوع، أبدت خشيتها، فقط، عن مآل مركز المهاجرين السريين الأفارقة بسبتة، لو قدر لسرب آخر أن يعبر السياج، لأن الطاقة الاستيعابية للمركز لم تعد تحتمل المزيد من المهاجرين!

من جانبنا نحن في المملكة، وباستثناء البلاغ الذي أصدرته وزارة الداخلية، الذي اعتبر أن محاولة الهجرة غير الشرعية هذه تجعل من أصحابها خارجين عن القانون… وهدد بإنزال عقوبات بهم تبعا لخطورة أفعالهم… لم يتم، رغم ذلك، تسليط الضوء إعلاميا وبما يكفي على حجم الأضرار الجسدية، التي تعرض لها عناصر الأمن المغربي وهم يؤدون واجبهم. في حين، وبالمقابل، وموازاة مع هذا الحادث، تناقلت وسائل الإعلام الأوروبية المرئية صورة لحقيبة سفر بداخلها شاب من إحدى دول جنوب الصحراء، كانت فتاة مغربية تحاول إدخاله سرا إلى مدينة سبتة، وقال عنه الإعلام، في سياق الخبر، إنه كاد يختنق لو لم يتم إسعافه بسرعة وإمداده بجرعة الأوكسجين. حيث بدت هذه الصورة، التي طغت، هي الأهم، بفضل الأسلوب الإعلامي الذي تم تدعيمها به، من خلال عملية التفاعل الإنساني من أجل إسعاف الشخص موضوع التهريب، ليتم، في المحصلة، الاستنتاج أن الأمر يتعلق بنشاط شبكات الهجرة السرية ليس إلا، وأكثر ما يتعلق بمآسي الهجرة والتضحيات والجهود المبذولة لمواجهتها.

إن مشكلة الهجرة تبقى رمزية، اعتبارا لأنها تشكل نقطة الارتقاء لمشاكل متعددة ومتشابكة، منها ما هو محلي خاص بالدول التي تصدرها، بسبب نمو الفقر والإقصاء الاجتماعي والبطالة والحروب…، ومنها ما هو خاص بالدول المستقبلة المصنعة أو المتقدمة، التي تتباهى بحقوق الإنسان، وتبخل في دعم مشاريع ومسارات التنمية بدول الجنوب، وتطالب هذه الدول بالمقابل أن تحافظ وتصون لها حدودها من تدفق المهاجرين. لكن إلى متى؟ وإلى متى سيُقدر على بلادنا أن تصير دائما وعاء لمثل هذه الأحداث؟

صحيح أن المغرب انخرط، تنفيذا لتوجيهات جلالة الملك كما جاء في البلاغ المذكور، في عملية تسوية أوضاع المهاجرين الموجودين به، من خلال تمكينهم من التمتع بالحقوق ذاتها المكفولة للمواطنين المغاربة. وبعد أن عرف موضوع الهجرة السرية تحولات عميقة حيث تحول المغرب من بلد عبور إلى بلد إقامة بالنسبة لآلاف المهاجرين. ومع ذلك يكمن الاعتقاد أن أوروبا، ومن خلالها العالم المتقدم على اختلاف مواقعه، يملكون قدرة على الفعل والتأثير ومساعدة دول إفريقيا بشكل مناسب وعادل.

فقد باتت الحاجة ملحة لوضع مقاربة جديدة لمواجهة مشكلة الهجرة، ومراعاة الوضع الاستثنائي، الذي يمثله المغرب في مواجهة مسألة الهجرة السرية وتدفق المهاجرين إليه أولا، إضافة إلى تزايد ضغط الظاهرة عليه، مما يعني ضرورة التعاطي الأوروبي مع هذه الظاهرة خارج الحلول الأمنية الصرفة لحماية الحدود، أو نثر بعض الإعانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يمكنها أمام التدفق المستمر للمهاجرين الأفارقة أن تؤثر بشكل فعلي في الحد من مسار الهجرة السرية بشكل عام، خصوصا أمام تنامي السياسات الصارمة لدول أوروبا في مجال التصدي للهجرة واللجوء بشكل عام، وأمام الانطواءات السياسية التي أصبحت تبديها هذه الدول ضمن مجالاتها القطرية، وأمام الضغط المتوقع للهجرة خلال السنين القادمة، في ظل ركود الأوضاع الاقتصادية والسياسية، في عدة بلدان مصدرة للهجرة.

هذا لن يعفينا كذلك، من مساءلة حكومتنا عما أنجزته في معالجة الأسباب الكامنة وراء تفاقم الهجرة بالنسبة لشبابنا أيضا، بفعل اشتداد محنهم ومعاناتهم وواقعهم المرير، الذي يجعلهم يسلكون طرق الانحراف والموت والضياع، وفي ظل انشغال مفرط لسياسيينا باقتسام الغنائم الانتخابية ولا غير…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
فؤاد العماري
-->