الداخلية وفتح الله غولن والإرهاب والإخوان المسلمون

في وقت أصبح المجتمع المغربي يعرف حركية نشيطة متنامية لمواجهة مظاهر التطرف والعنف والإرهاب والدعشنة، ولمطالبة الدولة بالانخراط الفاعل في هذه المواجهة، تخرج وزارة الداخلية، مساء أول أمس الخميس، بقرار مفاجئ يقضي بإغلاق المؤسسات التعليمية التابعة للداعية التركي فتح الله غولن، قرار غير مفهوم، في ظل حسابات استراتيجية جد دقيقة، وبيئة سياسية غامضة ومفتوحة على مجموعة من المواجهات المحتملة.

السؤال الجوهري، الذي يطرحه هذا القرار، هو: إلى أي حد تمثل “جماعة فتح الله غولن” تهديدا للأمن القومي المغربي، رغم أنها لا تشكل أي تأثير على المشترك العقدي للمغاربة؟

على المستوى الدولي، توجد أكثر من 2000 مؤسسة تعليمية تابعة لغولن، لماذا انفرد المغرب بهذا القرار وتبنى الموقف الأردوغاني، العراب التاريخي لفكرة الخلافة الإسلامية، والحليف الاستراتيجي لكل الهيئات الخوانجية، من قبيل حزب العدالة والتنمية المغربي، المحسوبة على تيار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين؟

المطروح الآن هو أن تقدم وزارة الداخلية، ومعها وزارة التربية الوطنية، الثوابت العقدية التي تقوم عليها أطروحة جماعة فتح الله غولن، خصوصا أن ما نعرفه عن البناء الفكري لزعيم هذا التنظيم أنه يتبنى أطروحة يطغى عليها الطابع الصوفي، والفهم المعتدل للإسلام، تماما مثل البودشيشية أو المشيشية عندنا، وإدانته لكل ما له علاقة بالتطرف والعنف والإرهاب! حتى يتبيّن للرأي العام أن هناك بالفعل عمليات مشبوهة تنطوي عليها أنشطة المؤسسات التعليمية المذكورة، التي “تجعل من الحقل التعليمي والتربوي مجالا خصبا للترويج لإيديولوجية هذه الجماعة ومؤسسها، ونشر نمط من الأفكار يتنافى مع مقومات المنظومة التربوية والدينية المغربية”.

في الحالين معا، لماذا هذه الأسئلة؟

لأنه بالموازاة مع بروز هذا الحظر القانوني والعملي على “مؤسسات الفاتح” التابعة لفتح الله غولن، نسجل تساهلا غريبا وغير مفهوم مع تيار سياسي ديني، عبّر المنتسبون له على تبني أطروحات متطرفة خطيرة، وأشادوا بجرائم إرهابية ندد بها المغاربة رسميا وشعبيا!

صحيح أن قاضي التحقيق شرع في الاستنطاق التفصيلي للبيجيديين المتهمين بالإشادة بالإرهاب، وضمنهم بعض كتائب حزب الإخوان المسلمين بالمغرب، فإن هذه العملية القضائية عرفت اندلاع جدل متنام بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، بين ديمقراطيين يدافعون عن التعايش والتسامح ويناهضون الإرهاب والدعوات إلى الحقد والكراهية والتطرف والعنف، وبين حاملي الفكر الداعشي، المبطن أو المعلن، الذين يتخفون وراء مبادئ حقوق الإنسان لتحويل فعل إجرامي إلى مجرد قضية رأي وحرية تعبير، وللاستمرار في الإشادة بالإرهاب، مما يشكل بيئة حاضنة للإرهاب… مثلما ذهب إلى ذلك كبير شبيبتهم، ومعه بعض المتهافتين على الفضاء الأزرق، ممن اعتبروا التحريض على الإرهاب والقتل، مجرد حرية رأي وتعبير، أو مجرد مواقف انفعالية!

بالأمس، خرج بعض مجندي كتائبهم للدعوة إلى ردع المخالفين بالقتل والشنق والذبح، وعندما تحرك القضاء، اعتبروها مجرد “مزاح”! واليوم تتكرر الدعوات إلى العنف والقتل، ولما تحرك القضاء، اعتبروها مجرد وجهة نظر… والداخلية تتفرج…

وحتى في آخر عملية إرهابية بإسطمبول ليلة رأس السنة، خرج الداعشيون في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لتمجيد الإرهاب وتحقير وشتم الضحايا، خصوصا منهم المغربيتان، ما دعا تحالف ربيع الكرامة، الذي يضم 23 هيئة نسائية وحقوقية ومدنية، إلى إبراز أن “الضحايا المغربيات كن في سفر سياحي من دون أن يمسسن أحدا بأذى، فيما يعد خطاب الكراهية المروج بحقهن اعتداء على حياتهن الخاصة، وحضّا على الإرهاب والكراهية بدواعي تكفيرية مقيتة”، وأن “كل ما ينشر من مواد بدافع الشماتة تجاه الضحايا، ليس إلا تموقعا في صف الإرهابيين”، وأن “مثل هذه التصريحات الموثقة والمعروضة أمام أنظار الجميع هي على العموم بمثابة إشادة بأعمال إرهابية وتحريض عليها، الأمر الذي يدعو الدولة إلى تحمل مسؤولياتها في الموضوع أسوة بما قامت به لما اغتيل سفير روسيا في البلد نفسه”. بيد أن الداخلية، عوض أن تذهب مباشرة إلى هؤلاء، أقدمت على قرار يستجيب لمطلب من أولويات مطالب الإخوان المسلمين في هذه الظرفية، في حين أن أعضاء فرع الإخوان بالمغرب، عبر مختلف أدواتهم التنظيمية، يمارسون، أمام الجميع، حقن الأتباع بجرعات من التطرف من خلال الإحالة على كتب سيد قطب، وخاصة كتابه الشهير “في ظلال القرآن”، وهو عبارة عن تفسير متطرف للقرآن، والمرجع العقدي الأول للتنظيمات المتطرفة وخاصة القاعدة وداعش، فضلا عن تبني والترويج للأفكار المتطرفة لشيخ التكفير ابن تيمية، ملهم الحركات التكفيرية، والأب الروحي للفكر الجهادي، وصاحب أكبر عدد من فتاوي القتل واستحلال الدماء، حيث نسجل استشهادات عديدة لأعضاء وقياديي البيجيدي، وفي مقدمتهم أمينهم العام عبد الإله ابن كيران، بفتاوى ابن تيمية التكفيرية، وتبعه في ذلك التكفيري أبو النعيم، الذي كفّر سياسيين ومثقفين وفنانين وحقوقيين، دون أن تحرك الداخلية ساكنا…

هناك مثل ديني يقول “من ثمارهم تعرفونهم”. البنية العقدية لأتباع هذا التنظيم تعطي فكرة واضحة على طبيعة التجييش العقدي، الذي يتلقونه في مؤسسات الحزب (العدالة والتنمية) والحركة (التوحيد والإصلاح)، والذي يجعلهم، أعضاء وقياديون وبرلمانيون، يشيدون بالإرهاب، ويحرضون عليه، أمام الجميع، فيما الداخلية تترك هؤلاء وتبحث عن فتح الله غولن!