البيجيدي.. وعملية تخريب الأحزاب

ما جرى ويجري في المغرب، خلال نهاية الأسبوع، من رد فعل انفعالي لدى حزب رئيس الحكومة المعين، بلغ حد الإسفاف والتهور والبؤس، إزاء ما يجري من تدافع حزبي، يكشف وجود خلل وأزمة في الهياكل الحزبية، على مستوى التنظيم والممارسة، خصوصا بالنسبة لحزب ابن كيران، بفعل تجربة وثقافة هذا الحزب السياسية المحدودة، الذي عاش عقودا من الزمن في الزوايا المعتمة، والكهوف المظلمة، والتراوح بين المؤامرة وبين العمالة…

وإذا كانت كل الأحزاب لا تتحمل، بالدرجة نفسها، المسؤولية عن سلبيات العقود الماضية، التي جرى، خلالها، إفساد العمل السياسي والنشاط الحزبي، فإن هذه الحقيقة لا تشكل مبررا دائما لتفسير مظاهر القصور والتقهقر.

غير أن المظاهر إياها، لا يمكن، في الوقت ذاته، أن تشكل مبررا للتهجم على الأحزاب، ومحاولة إلغاء دورها الحيوي في الحياة السياسية.

صحيح إنه، في عهود ماضية، بُذلت محاولات حثيثة، لإضعاف الأحزاب، وجعلها مجرد تنظيمات خاضعة، بلا هوية ولا شخصية، عن طريق خلق أحزاب إدارية، أو استقطاب عملاء داخلها، وشراء وإرشاء بعض نخبها، أو عن طريق القمع والتنكيل ومحاولات المحو من الخريطة السياسية…

وهذا ما كانت له تداعيات وتراكمات يلزم كثير من النضال الدؤوب والمسؤول، وأساسا “الكفاحي”، لمحو تلك الصورة السلبية، التي طالما لوثت الأحزاب المغربية.

هذا في العقود الماضية، بيد أن المغرب، خلال السنوات الماضية، التي لا تكاد تتجاوز عقدا ونصف، عرف تحولات بارزة، همت مختلف أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فمع الانتقال السلس والطبيعي للحكم، ولج المغرب مرحلة جديدة ومتميزة في تاريخه الحديث، مرحلة تؤطرها الإرادة المعلنة من أجل التأسيس لدولة المؤسسات، القائمة على مبدأ الحق والقانون، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، واحترام حقوق الإنسان.

بموازاة مع هذا العمل التأسيسي، برزت إرادة إحداث نقلة نوعية في الحقل السياسي والاجتماعي، بالانخراط في الحداثة، من خلال مشروع مجتمعي حداثي ديمقراطي، كما ورد التنصيص عليه لأول مرة في أول خطاب ملكي بمناسبة التنصيب على العرش. ويلتقي المشروعان، السياسي والمجتمعي، في هدف التحديث الشامل.

هذه العملية التحديثية، أخرجت المشهد السياسي من تلك التقاطبات الحادة، إذ حتى ما كان يسمى أحزابا إدارية باتت تمتلك مشروعية الوجود من خلال مشروعية انتخابية، وبدأ الحديث عن “صنائع الإدارة” يختفي، لفائدة سيادة نوع من المصالحة داخل المشهد الحزبي المغربي، إلى أن بدأ يعود بقوة اليوم، ومن طرف واحد أساسا، ثم بدأ حزب ثان يتبعه في هذا المنحى، لأن هذا الحزب، دفعته الهرولة إلى الحكومة، إلى اختيار أن يبصم بالعشرة على كل ما يقول ويرضي ذلك الحزب الواحد: البيجيدي…

خلال الفترة الأخيرة، شرع البيجيدي يطعن في الأحزاب الأخرى، ويشتم في قادتها، وأعطى لنفسه مهمة القاضي يوزع صكوك الغفران أو الإدانة على ما عداه من الأحزاب، مثلما كان يقع في زمن التفتيش في العهود المظلمة: هذا حزب إداري، هذا حزب التحكم، هذا حزب كاراكوز تحركه التماسيح والعفاريت، في تحقير فج لكل الأحزاب السياسية.
ويمكن العودة إلى مختلف تحليلات قادة هذا الحزب، وقادته وأطره، وكتائبه، وأبواقه الإعلامية الورقية والإلكترونية، الشيء الذي يطرح سؤالا جوهريا حول دلالات هذا التحول البئيس في الحياة السياسية المغربية، الذي أضحى يحتاج إلى علماء النفس والسوسيولوجيا لتحليل هذه الدلالات؟!

الإشكال في هذا التهجم المتواتر يكمن في عقدة نفسية لدى هذا الحزب، بحكم أنه صنيعة إدارية، أولا، وأن عددا من قادته وأطره “كانوا” عملاء للداخلية، ومكلفين بمهام تُسلم لهم في الأقبية المعتمة، وفق ما تكشف عنه العديد من الشهادات، خصوصا منها تلك الواردة على لسان إخوان لهم من الحركة الإسلامية مروا معهم من التجربة نفسها.

إن العملية التحديثية، التي تحدثنا عنها، والتي كانت جارية إلى أن بدأت تتعطل مع بروز الحكومة، التي أفرزها حراك 2011، كانت ومازالت أبرز سماتها أنها حكومة رجعية، مناهضة للتحديث والعصرنة، ولذلك، نجد أن الحزب الذي يقود هذه الحكومة الرجعية، لا يدري أنه بشتائمه، وبكل ما يعتمده من محاولات التبخيس والإلغاء والإقصاء والتهجمات، فإنه يكرس تلك الصورة الملوثة للأحزاب في ذهنية المغاربة، الشيء الذي يصب في إشاعة قيم اليأس والانهزامية والتيئيس والتهميش، وكل المظاهر المرضية، التي تفاقم ابتعاد المغاربة عن الأحزاب، وعزوفها عن الانتخابات، وتحريضها على اللجوء إلى الخيارات اليائسة، وضمنها السقوط في مخالب التطرف والعنف والإرهاب…

إن المشهد السياسي، في ظل هذا الوضع، بات يعيش مخاطر حقيقية وكبرى بفعل ممارسات الحزب المتغول، من زرع الفتنة بين الأحزاب، إلى توزيع خطابات صكوك التخوين، مما يؤدي عمليا إلى تخريب هذا المشهد، وتخريب الأحزاب، التي تشكل الأداة الأساسية لكل بناء ديمقراطي حقيقي…

ولذلك، سيكون ملقيا على عاتق مختلف مكونات المشهد الحزبي المغربي، الانتباه إلى خطورة هذه الممارسات المتغولة، وتنخرط في مواجهة تحديات التأهيل الفعلي والحقيقي، الذي لا يمكن أن يتحقق بالخطب والشعارات، والغرق في الصراعات، واستنزاف الطاقات، وافتعال الخصومات، وشخصنة الخلافات.

التأهيل المنشود يفترض أن يكون شاملا، وعاجلا بلا انتظار، وحاسما بلا جبر للخواطر. التأهيل المنتظر هو تأهيل للذات الحزبية، في مختلف هياكلها، تنظيميا وسياسيا وإيديولوجيا، من أجل الارتقاء بالعمل السياسي إلى مستوى تطلعات الأجيال الجديدة، وفي مستوى مواكبة تحولات المرحلة، التي تؤطرها الإرادة المعلنة من أجل التأسيس لدولة المؤسسات، القائمة على مبدأ الحق والقانون، وحماية الحقوق الفردية والجماعية، واحترام حقوق الإنسان، وفق المواثيق والمعاهدات الدولية، والانخراط في عمليات التحديث المجتمعي الشامل، ابتداء من البناء الديمقراطي، إلى إنجاز التنمية المستدامة، وتمكين المغرب من الانفتاح والفعل والتفاعل مع محيطه الإقليمي والدولي، وإلا فلن يكون أمام هذه الأحزاب إلا السقوط المتنامي في قيم التخلف والرجعية والظلام…