حامي الدين.. قصة 8 سنوات و8 ملايين!

مازالت قضية استضافة القيادي بجماعة الإخوان المسلمين بالمغرب ورئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، عبد العلي حامي الدين، في برنامج تلفزيوني عمومي بموضوع حقوقي لمناقشة تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، تثير الكثير من الجدل، الذي يبدو أنه لن يخفت، لأنه انتقل إلى طرح الأسئلة الجوهرية، التي تفرضها هذه القضية، وأولها: هل هناك جهة ما، أو بالأحرى جهات ما، تحاول “تبييض” هذا الشخص، من جريمة مقتل بنعيسى أيت الجيد الإرهابية، التي مازالت تطارده، من خلال استعمال عدة قنوات: مؤسسات رسمية (العمل في دواوين وزراء)، وتشريعية (العضوية في البرلمان)، وإعلامية (كتابات موجهة بالجريدة التابعة للبيجيدي والناطقة باسم ابن كيران)، وإشعاعية (إقحامه للمشاركة في ندوات تلفزيونية وسياسية وجامعية…)؟؟!!

ما هي مصلحة هذه الجهات في توجيه طعنة في الظهر لهيئة الإنصاف والمصالحة، وتحقير ضحايا وشهداء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستفزاز كل الديمقراطيين، الذين يناضلون من أجل التصدي لظلامية تجار الدين، والذين يحملون اليوم مشعل الدفاع عن الحقوق المواطنية والإنسانية بهذا البلد، الذي يتربص به هذا الشخص ومن معه لإشعال نار الإرهاب فيه، من خلال دعوته إلى التطبيع مع تحريض “المداويخ” على الإرهاب بالإشادة به، والتطبيع مع الإرهابيين الذين يريدون العودة من سوريا والعراق وليبيا، حيث كانوا يقاتلون إلى جانب داعش والقاعدة، ويقطعون الرؤوس وينفذون إعدامات همجية…

هذا الشخص، فوق كل ذلك، هو، أيضا، وفق مبدأ التقية لدى الإخوان المسلمين، شخص كذاب، كذب على هيئة الإنصاف والمصالحة، في عملية تشويش على مسار المصالحات النموذجية، التي دخل فيها المغرب، بإعادة قراءة ذاكرته، والمصالحة مع ماضيه، معززا بتوصيات تتوجه إلى المستقبل… كما كذب، قبل ذلك، على القضاء ليفلت من عقاب جريمة ثابتة، مما يعطي صدقية وقوة للدعوة، التي يرفعها الحقوقيون وعائلة الشهيد أيت الجيد، لإعادة محاكمة هذا الشخص، بعد ظهور عناصر جديدة في الملف، أبرزها الشاهد، رفيق الشهيد، الخمار الخديوي، الذي شاهد بأم عينيه الطالب الظلامي عبد العلي حامي الدين وهو يشارك في توجيه الضربات إلى رأس أيت الجيد…

هذا الشخص، بعكس ما يزعم هو والمريدون ومجندو الخوانجية، لم تبرئه المحكمة، وأحرى أن يحلم بأن تبرئه الذاكرة الجماعية للمغاربة.

إن تهمة الكذب على القضاء وحدها تبرر إعادة فتح الملف، وإعادة محاكمة الشخص، الذي أدلى للشرطة والقضاء بمعلومات كاذبة، ومنها أنه طالب قاعدي، وليس إسلاميا، في حين كان، آنذاك، أحد أبرز مجندي الإخوان المسلمين بجامعة ظهر المهراز بفاس، الذين كانوا يقاتلون طلبة اليسار باعتبارهم “كفرة”…

للإشارة، فقد حوّل القضاء قضية اغتيال أيت الجيد إلى قضية حق عام (مشاجرة أفضت إلى الوفاة)، ومن كان في صف أيت الجيد أُدين بعامين سجنا، بمن في ذلك الضحية الخديوي رفيق الشهيد، الذي تعرض لاعتداءات همجية من طرف الطلبة الظلاميين كاد يفقد فيها حياته، فيما أدين من كانوا ضمن الطلبة القتلة بعشر سنوات سجنا…

وبناء على ذلك، فإن كذبة حامي الدين أنقذته من 8 سنوات أخرى من السجن، لأن ملفه قُدّم، سواء في محاضر الشرطة أو أمام المحكمة، كأحد رفاق أيت الجيد.

المثير في الأمر، أن هناك شهادة تقدم بها حامي الدين نفسه إلى هيئة الإنصاف والمصالحة، تثبت كذبه على الشرطة والقضاء، عوض أن تُستعمل للمطالبة بإعادة محاكمته، تحولت إلى ذريعة للاستفادة من تعويض بمبلغ 8 ملايين سنتيم!

في المقرر التحكيمي الصادر عن هيئة الإنصاف والمصالحة، في قضية عبد العلي حامي الدين، نجده يتضمن شهادة، أدلى بها هذا الشخص من طرف الشيخ الإخواني أحمد الريسوني، بصفته رئيسا لجمعية رابطة المستقبل الإسلامي، لإثبات أن حامي الدين كان عضوا نشيطا في التنظيم الطلابي لتلك الجمعية الإخوانية، وللبرهنة على أن اعتقاله كان تعسفيا!!

وهكذا نجد هذا الشخص، في الحالة الأولى، يكذب على الأمن والقضاء ليبعد عنه صفة الانتماء الخوانجي ويدفع بانتمائه اليساري، وكانت النتيجة إفلاته من 8 سنوات سجنا إضافية، وفي الحالة الثانية، يقدم شهادة عن المرحلة نفسها، يثبت فيها أنه كان ينتمي، آنذاك، إلى الخوانجية، وليس إلى اليسار، وكانت النتيجة أنه تحوّز من هيئة الإنصاف والمصالحة، دون موجب حق، على 8 ملايين سنتيم…

الأدلة فاضحة وكافية لإعادة فتح الملف، وإعادة محاكمة هذا الشخص لينال العقاب الذي يستحقه! فلماذا لا يقع هذا؟ ومن لديه المصلحة في تزكية منحى الإفلات من العقاب؟

لابد من الإشارة إلى أن جريمة اغتيال الشهيد أيت الجيد، كانت في ظرفية دقيقة، اعتمدت فيها الأجهزة عدة وسائل لضرب القوى المدافعة عن التقدم والديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان في أبعادها الكونية، وبالخصوص في الجامعة، في محاولة لاجثتات وجودها وإقبار إطارها المناضل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بدءا من حملات القمع والاعتقالات والمحاكمات وتغييب المناضلين في غياهب السجون، وصولا إلى استعمال منتمين إلى التيارات الإسلامية، ورعايتهم وتجنيدهم لإكمال المهمة، حيث عمد المجندون، وهم ظلاميون، إلى شن ما اعتبروه آنذاك “غزوة” من أجل “تحرير الجامعة من القاعديين”!

إن إعادة محاكمة حامي الدين، بناء على المعطيات المستجدة، من شأنها أن تشكل وفاء لروح توصيات الإنصاف والمصالحة، وفي مقدمتها إجلاء الحقيقة في ما جرى يوم 25 فبراير 1993، وكشف المسؤولين الفعليين عن الاغتيال، ومؤاخذتهم بما ارتكبوا بعد متابعتهم في إطار محاكمة عادلة، حتى لا تتكرر في جامعتنا وبلادنا، مستقبلا، جرائم إرهابية مماثلة لاغتيال الشهيد أيت الجيد…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->