التصدي للفساد لا يقوده من يقولون ما لا يفعلون!

التصدي للفساد لا يقوده من يقولون ما لا يفعلون!

في التقرير الأخير لترانسبارانسي المغرب، مثل باقي التقارير السابقة، نجد أن مؤشر إدراك الرشوة لسنة 2016 وضع المغرب في المرتبة 90 من ضمن 176 دولة شملها تقرير ترانسبارانسي الدولية… وتتبعها مختلف وسائل الإعلام، في استعمال مصطلح “إدراك”، الذي كان دائما يثير نوعا من التبرم منه ومن عدد من المصطلحات، التي تظهر عندنا تباعا، وفي مختلف المجالات، من “الالتقائية” إلى “التشاركية”، وبينهما عشرات المصطلحات.

لفظة “إدراك”، التي تتموقع بين “مؤشر” و”رشوة”، نستعملها في المغرب، في حين يستعمل إخواننا المشارقة لفظة أخرى “مدركات”. أعترف أنني لا أفهم معنى “إدراك” ولا “مدركات” الرشوة، التي نفهمها أكثر، في واقعنا المغربي، ونفهم معانيها، بمختلف استعمالاتها اللفظية، من “الكميلة”، و”القهوة”، إلى “ادهن السير يسير”، و”حك” و”اكحب”…

وفضلا عن الرشوة، هناك قضايا الفساد، المالي والإداري والسياسي، التي قالت ترانسبارانسي المغرب إن حجمه تنامى في عهد حكومة ابن كيران المنتهية ولايتها. بل أكثر من ذلك، نعتقد أن ظاهرة الرشوة مازالت متفشية في العديد من مناحي الحياة العامة، من الاقتصاد إلى الإدارة إلى القضاء، ومن السياسة إلى الثقافة والفن، بل وفي الإعلام، الذي غالبا ما يقيم “بعض تجار الصحافة” الدنيا ولا يقعدونها بملفات الفساد، فيما هم غارقون فيها حتى النخاع، ونعتقد أنه آن الأوان لخلق هيئة لتلقي تصاريح الصحافيين، عن أحوالهم وممتلكاتهم، ومساءلة العديد منهم: من أين لكم هذا؟

تقرير ترانسبارانسي المغرب أكد أن الشعار المركزي، الذي رفعته حكومة ابن كيران شأن التصدي للفساد ظل مجرد كلام هدفه التسويق الإعلامي. وهذا ما أتبثه الضجيج، الذي كان يثيره بعض وزرائها، أو بعض قادة البيجيدي، الحزب الذي قاد تلك الحكومة، كان مجرد جعجعة بلا طحين، فرئيسها ابن كيران بات يرفع شعار “عفا الله عما سلف”، وبقيت قضية الكريمات على ما عليه، وكذا مقالع الرمال، بل تفاقم الأمر بانفجار عدة فضائح تدبيرية ظلت تثير الجدل لدى الرأي العام وبفضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، ابتداء من فضيحة وزيرهم عبد القادر اعمارة في تجهيز مكتبه في الوزارة بغرفة نوم! وصولا إلى وزيرهم الحبيب الشوباني، الذي لا يبدو أن فضائحه يمكن أن تنتهي، من فضيحة “الكوبل الحكومي”، إلى فضيحة “الكاط الكاط”، وفضيحة محاولة التحوز على أرض بالجهة التي يرأسها مساحتها 200 هكتار، دون الحديث عن فضائح الوزارة، عندما تولى العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، أولها منع الصحافية خديجة الرحالي من ولوج البرلمان بدعوى أن لباسها غير محتشم، فيما أبرزها هي فضائح “حوار المجتمع المدني”، الذي مازال الرأي العام يطرح استفهامات قوية حول أوجه صرف ميزانية مليار و700 مليون سنتيم…

إن توالي الفضائح، وغياب أي عمل ملموس يذكر خارج الشعارات، هما ما جعل ترانسبارانسي تعبر عن مخاوفها من ألا تتجاوز محاربة الفساد دائرة التصريحات والخطابات وحسن النوايا…

وهذا هو مربط الفرس، إذ إن الخطاب الأخلاقوي لحكومة ووزراء ابن كيران، لم يغير شيئا من واقع أن الرشوة ما تزال متفشية، واقع يتطلب عملا ملموسا لترسيخ ثقافة المساءلة وتطبيق القانون، من مساءلة المسؤولين على تدبير الشأن العام، إلى تعزيز الحكامة الجيدة داخل المؤسسات الحكومية، ونهج سياسة المراقبة القبلية والبعدية لمالية الهيئات الحزبية والنقابية والجمعوية والإعلامية، وإعطاء النموذج في الشفافية والنزاهة بالتصريح بممتلكات كبار الدولة والوزراء والشخصيات السامية…

إن هذا المجهود يفترض أن يكون شموليا، تتكامل فيه جهود الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية وتنظيمات المجتمعين السياسي والمدني، وأن تُردف الأقوال بالأفعال. وفي هذا الصدد، مازال موقع التواصل الاجتماعي يوتوب، يحتفظ بشريط فيديو عن خطاب لابن كيران يتعهد فيه بعدم ورود اسم ابنائه أو أبناء قادة حزبه باللوائح المعلنة لولوج الوظيفة العمومية. وقال ابن كيران، في الفيديو إياه، وهو يوجه كلامه للعاطلين الحاملين للشهادات العليا، إن “التشغيل في الوظيفة العمومية غير ممكن. إذا كنتم محتاجين للتكوين، فإننا سنسهل لكم الفرصة لكي تمولوا مشاريع خاصة بكم، ونعطيكم منح باش تعيشوا المرحلة الصعبة، أما تقولوا ليا الوظيفة.. ماكاينش”، وزاد مؤكدا “كيقولوا لي أالسي ابن كيران هذا الشي اللي كتقول حنا قابلين بيه لكن نهار كتجي الوظائف كيمشيوا ليها اولاد الناس الكبار، واولاد رؤساء الأحزاب، والناس اللي كيعطيوا لفلوس، قلت ليهم هاذ الشي اللي كتقولوا عندكم فيه الحق، والعدالة والتنمية غدا، إن شاء الله الرحيم، شوفوا واش كاين ولد أو بنت عبد الإله ابن كيران، ولد أو بنت المصطفى الرميد، ولد أو بنت محمد يتيم…”.

السي ابن كيران، تلفتنا وشفنا، ولقينا: توظيف الابنة الفاضلة لرئيس الحكومة، سمية ابن كيران، بالأمانة العامة للحكومة…

التغيير لا يمكن أن يقوده من “يقولون ما لا يفعلون”. لأن التغيير ليس مجرد شعارات، ومزايدات، ولا مجرد تدابير وإجراءات، تتخذ في الاجتماعات، ولا تتجاوز سقف الورق الذي كتبت عليه… التغيير بالأساس قوانين وهياكل ومؤسسات، وثقافة وعقلية، وممارسات وسياسات تؤمّن انخراط البلاد في عهد التجديد والعصرنة، على قواعد الشفافية، لترسيخ وتدعيم مقومات وأسس الدولة الديمقراطية الحديثة.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->