عبد القادر الشاوي: “آخر ساعة”.. الوعد والموعد

ليس لهذه الجريدة أن تعلن من جديد، بعد أزيد من عام على صدورها، كأداة من أدوات مجموعتنا الإعلامية الفتية، عن خطها التحريري، ولا عن طريقة عرض أخبارها أو مصادرها الخبرية، ولا عن مهنيتها المتقنة، ولا كذلك عن انحيازها القيمي الذي تَوَافق منذ (أول ساعة) مع الاختيار الديمقراطي والتطور الحداثي وعموم القيم الإيجابية الدافعة للتطور على جميع الأصعدة… فهذه أمور كلها، اعتمادا على إرادات صحافية وتقنية تواقة تمرست بوعي وبإدراك لمجال عملها الإعلامي على الاستقلالية في التناول والعرض، لم تُغضب، في واقع الحال، إلا المتخرّصين، ولم تُثِر إلا القوّالين بالسوء وأولئك الذين ناصبوها العداء السياسي، كمنبر إعلامي مستقل، قبل أن يعلموا شيئا عنها. الصراع السياسي البليد الذي تغذيه النزعات العدوانية والأحكام القبلية مخزٍ يكشف عن ضحالة فكرية لا حد لها وهو يدين أصحابه لا سواهم.

وعِلْمُنا الصريح الذي نَعرِفُ، لا الذي لم يعرفوه ولا أرادوا التعرّف عليه، أن هذه الجريدة تعتبر منبرا إعلاميا مستقلا، بقوة الدور الذي تقوم به، وبدعم من الطاقات التي تساندها فيه جاءت، ولتوقيت إصدارها في العاشر من ديسمبر رمزية حقوقية واضحة، لتسهم مع المساهمين، بكل وعي واهتمام، في نشر الخبر اليقين والرأي الحر والاستطلاع المميز وسوى ذلك من أشكال ووسائط وأدوات نقل المعلومة ونشرها بين القراء. أي تجربة إعلامية أخرى مختلفة ورسالة إذا شئنا.

والواقع أننا نتابع في هذا، ولو بطريقة مختلفة وفي مرحلة أخرى، دورا معلوما تجرأ عليه الذين سبقونا إلى هذا المجال في الفترات المدلهمة من تاريخنا الوطني العنيد، وكان لهم فيه الأثر الكبير في صياغة الآراء والمواقف والوجدان الجماعي، ومنهم من أدى في سبيله ضريبة كبرى. ولذلك، فالمؤكد أننا نريد السير، بهذه المتابعة التي نعنيها في عملها وصبرها وتضحياتها، في الاتجاه الذي يتجاوب اليوم مع مختلف التطورات الإيجابية التقدمية، التي امتحنت بلادنا في الماضي، وامتحنها شعبنا باستمرار من خلال قواه الحية… إلى أن تأكدت على نحو ما هي عليه الآن من تطور ومكاسب، لا يمكن التفريط فيها بسهولة. نحن جزء من مسار، لنا طاقة إعلامية مهمة نريد أن نمارس بها نضالنا في سبيل التقدم، هكذا بهذا التعبير.

ومن البديهي أن نؤكد، وخصوصا في وجه من يريد أو ينتظر منا أن نؤكد له البديهيات، أننا لسنا حزبا سياسيا ولا نريد، كما دلّ عليه إصدارنا منذ البداية، أن نكون بديلا لأحد في أي مجال من مجالات تنظيم الحياة الاجتماعية أو غيرها، بل ولا نستطيع إلى ذلك سبيلا، غير أننا في مقابل الاعتراف الطوعي بالمحدودية والنسبية، سنواصل الانفتاح، أسلوبا واختيارا أيضا، على جميع الطاقات والفعاليات، التي تود المساهمة في بناء الديمقراطية الحقيقية، والدفاع عن قيم الحداثة والعدل وحقوق الإنسان وسواها من القيم الضامنة للتطور والتقدم… ضدا، بطبيعة الحال، وكما يجب أن نقول، على كل أشكال الانغلاق والارتداد والفهم المعكوس لحركة التاريخ وسيرورة المجتمع، وضدا كذلك، وهذه مهمة من صميم الإعلام الديمقراطي، على جميع التأويلات الملتبسة، التي تتلاعب بالعواطف بالطرق الشعبوية السوقية المألوفة لدى البلهاء والسفهاء من الناس.

أريد القول إننا سنجهر، كصوت إعلامي وبوسائله الخاصة، وهي محدودة بطبيعتها، مع الجاهرين بضرورة التغيير، والعاملين في سبيل التقدم، والشاعرين بأن الإعلام النزيه يمكن أن يكون بوسائله الخاصة، التعبيرية والرمزية، أسلوبا إيجابيا، إن لم يكن فعالا، من أساليب العمل في سبيل الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية… تماما في نفس المجال العمومي الذي يلتقي فيه، في مغرب اليوم، وهو في خضم تحولات كبرى، كل من يأنس من نفسه، وبطريقته المختلفة، القدرة على الممارسة الديمقراطية الرشيدة، التي لا تقبل المراوغة ولا التدليس، فضلا عن الادعاءات الجوفاء، التي تجافي العقل والمنطق مثلما تهين الوعي وتبخس قدر الراغبين في العمل الجاد والمسؤول.

ثم بقي أن أقول، أيضا، إننا نشرع هذه الأيام في (انطلاقة) متجددة نرجوها، بهذه العدة القويمة التي أبرزتُ بعض منطلقاتها، أن تكون كذلك مُفْلِحَة بنَّاءة بالدعم، الذي نرجوه وننتظره من جميع القراء، الذين سوف يجدون في هذه المطبوعة، وهذا عهد منا للجميع، منبرهم المفتوح والحر والمستقل، بل والواقع أن كل ما نرجوه أيضا هو أن نكون عند حسن الاختبار، وأن يكون قارئنا حاثا عليه، ودافعا إليه. وهذا وعد وموعد.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
آخر ساعة
-->