المقاومة السياسية والمقاومة الثقافية كل لا يتجزأ

المقاومة السياسية والمقاومة الثقافية كل لا يتجزأ

لا نريد أن يصبح زمننا السياسي قطعة من الظلام، تطارد نومنا، وتعكر مزاجنا، وتُحوّلنا إلى كائنات سياسية بدون جسد ولا روح. كما لا نريد أن نحوّل بعض انتصارات زمننا إلى كومة دخان أسود، خوفا من التدجين والاحتواء.

طبعا، هناك قضايا ومستجدات تخترق، بسرعة البرق، كل ساعات ليلنا ونهارنا، من دون توقف ولا تردد، وتعد بما لا يستطيع أن يفي به إلا الزمن الذي يجيء، وهو حتما يجيء. ورغم ذلك، لابد من أن نستحضر نوعين من مهامنا المستعجلة: مهام المقاومة السياسية ومهام المقاومة الثقافية، من أجل المساهمة في بناء المشروع السياسي والثقافي الوطني، استجابة لتطلعات شعبنا وحقه في العيش الكريم، وفي الولوج إلى كل الخدمات الاجتماعية.

وإذا كان لابد من مقاربة الحقل السياسي والثقافي في المغرب من وجهة تاريخية للوقوف على مواقف الفاعلين الرئيسيين في هذين الحقلين، فربما آن الأوان للكشف عن الظلم الذي لحق بهؤلاء من طرف السلطة السياسية المساهمة في الحكم، وتهميشها للعلماء وللمثقفين اليساريين على صعيد أشكال معينة من السلطة، وهذا عكس ما كان في مراحل سابقة عن الاستقلال وحتى قبل الحماية.

إن ما نعيشه اليوم من مقاومة سياسية وديبلوماسية من أجل استرجاع مكانة المغرب ودوره في وطنه الإفريقي، يذكرنا بما حصل في منتصف سبعينيات القرن المنصرم مع نفس القضية/قضية الصحراء المغربية.

أزيد من 40 سنة من المقاومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل الوحدة الوطنية، ومن أجل الحفاظ على المؤسسات، وبناء علاقات سياسية جديدة بين الفاعلين في المشهد الوطني. وهذا، رغم الاختلالات التي عصفت بالعديد من الحقوق والحريات باسم الإجماع الوطني والسلم الاجتماعي.

واليوم، نعود من جديد لنفس النقاش باحثين عن آليات الربط بين المثقف والحقل السياسي، ومحاولة فهم طبيعة التعارض بين المثقف والسلطة في واقعنا، رغم أن كليهما يشكل سلطة.

وربما، وعلى ضوء المستجدات السياسية والدبلوماسية الجديدة، وعودة المغرب للاتحاد الإفريقي، وما ينتظره من ارتباط عضوي بقضايا وتطلعات شعوب إفريقيا، تبدو ضرورة إدراك جديد للسلطة ولأهمية الثقافة، من أولى الأولويات من أجل تحرير الطاقات من كل الآليات والأدوات الإكراهية، وجعل الأجهزة الإيديولوجية، وعلى رأسها الجهاز الثقافي، في خدمة الإجماع الوطني الجديد، الذي نريده أن يتأسس على دفع المثقف إلى تحمل المسؤولية وإدماجه في الفعل الثقافي، بنكهة المعارضة الإيجابية وبرؤية نقدية، من أجل المساهمة أكثر فعالية في السلطة.

بلادنا تزخر بالنخب، وبالمثقفين في كل التخصصات وفي كل ميادين الثقافة والفن والإبداع، وهؤلاء يجب إدماجهم، مادامت المقدسات التي تقوم عليها الدولة المغربية لم تعد تفرق بين الفاعل السياسي والفاعل الثقافي، ومادامت المقاومة السياسية والثقافية كل لا يتجزأ، والرابط بينهما هو المجتمع الحداثي الديمقراطي، على قاعدة حقوق الإنسان والحق في التعبير والرأي والحرية والمساواة.

إن استرجاع المغرب لدوره التاريخي في القارة الإفريقية، يأتي اليوم في وضع دولي تخترقه العديد من التناقضات باسم النظام الدولي الجديد، في ظرفية خاصة تميزها خريطة عالم جديد لم ترسم حدوده بعد، مع ما تبقى من الشرق وما تم توريثه عن الغرب.

فإذن، علينا أن نختار ماذا نريد؟

إن استكمال مهام المقاومة السياسية وتحرير الوطن من كل جيوب الاستعمار، والحفاظ على وحدة الوطن وكيانه، يعتبر اليوم معركة شعب بكامله، وليس معركة طرف ما دون الآخر. فالضرورة اليوم تستدعي تقوية جبهتنا الداخلية، من دون مغامرة سياسوية ترضي جهة ما.

وإذا كان الخطر الأحمر قد تراجع نسبيا، فلا يجب أن نستبعد أخطارا جديدة قد تحمل معها ألوانا أخرى من الشعارات ومن الآليات المدمرة للاستقرار المغربي.

عندما ننظر إلى بؤس الثقافة في وطننا من حيث الإنتاجية والمردودية، وتهميش دور الأندية الثقافية، ومراكز البحث الثقافي، ودور الإبداع والفنون والمحافظة على التراث، نبكي ما وصلنا إليه منذ أن حصلت الثقافة على استقلال مؤسساتي، ابتداء من سنة 1979، تاريخ أول وزارة خاصة بالثقافة، بعدما ظلت ملحقة لسنوات طويلة إما بوزارة التعليم أو بوزارة الشؤون الإسلامية.

لقد استخدم التكنوقراط والنخب الإسلاموية شعارات مناهضة للإجماع الوطني الجديد لمغالطة الشعب، في إطار التقاء المصلحة مع مناهضي البناء الديمقراطي الحداثي، لتبقى المقاومة السياسية معزولة عن المقاومة الثقافية، ولكي يتسنى لهؤلاء ممارسة النهب المستور، من أجل عودة الاستبداد والنكوصية التي تساعد على تكديس الثروات وعدم استثمارها في المجالات الاجتماعية الحيوية. لهذا، إن معركة الوحدة الوطنية اليوم لن تستكمل مشروعها إلا بعودة المقاومة الثقافية إلى جانب المقاومة السياسية، وعودة مجموعة من المثقفين المغاربة للمكانة التي يستحقونها.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
المصطفى المريزق
-->