أي جواب عن انتمائنا وشرعية وجودنا في ظل هذا الخراب؟

أي جواب عن انتمائنا وشرعية وجودنا في ظل هذا الخراب؟

قبل محاولة الإجابة عن بعض الأسئلة، التي باتت تقلق العديد من الفاعلين السياسيين، أريد أن أعرج على بعض القضايا الآنية، التي أعتقد أن القفز عليها لن يزيد العقيدة “مقدسة كانت أو مدنسة” سوى غموضا. ومن بين هذه القضايا أتوقف، على سبيل المثال وليس الحصر، عند ما وصل إليه المشهد السياسي من تفكك على يد جهلة سياسيين، لم يعد يهمهم أي شيء، سوى اللهث خلف شهوات المصالح، والركض وراء لذة إشباع الذات السياسية.

ويعتبر ضعف وغياب الإعلام السمعي البصري المغربي عن متابعة عمق وحقيقة ما يحصل اليوم، عارا وجريمة في حق المواطن المغربي المغلوب على أمره، بسبب ما يرتكب في حقه من تجهيل وعنف، يجعله ينتظر الآتي الذي لا يأتي، من دون أن يكون له الحق في فهم ما يجري، ومن دون أن يكون له حق المشاركة في النقاش العام، وفي صياغة وبلورة كل ما يتم إنتاجه من سياسات عمومية.

ونعتقد أن هذا “العار”، الذي يلاحق المواطن اليوم، هو نتيجة وليس سببا في تخلفنا. هو نتيجة لأّزمة التعليم والتربية والتراث في بلادنا. وهو جدار، يحجب أي ارتباط مباشر بالمجتمع وبتحولاته الأساسية التي طبعت بنيته “الجديدة”.

لقد كان على الفاعلين السياسيين أن يقدموا أمام الشعب، وعلى المباشر، حصيلتهم منذ فجر الاستقلال، وكان على الدولة أن تعترف بكل أخطائها كذلك، للمساهمة الجماعية في صياغة “مشروع رؤية جديدة”.

الصين تم فتحها على العالم بعد أربعة قرون من الانغلاق، والروس تخلوا على الاتحاد السوفياتي، والألمان حطموا جدار برلين، والإسبان فضلوا طي كل الصفحات المؤلمة من تاريخهم الدموي، وفرنسا منذ الجمهورية الأولى إلى الآن، عاشت تجارب مختلفة استقرت في نظام الحكم الجمهوري، الذي رسخ مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان. ومن جهة أخرى، هناك الولايات المتحدة الأمريكية، التي انتخبت رئيسها مؤخرا ليعلن عداءه الرسمي للعالم، وتراجع بلاده على العديد من الالتزامات والمعاهدات بين الدول، وهناك أيضا الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، إلى غير ذلك من نماذج التغيرات الجذرية التي ضربت في العمق كيانات القوى العظمى عبر العالم.

طبعا، في منطقتنا، لم تسلم الحركة القومية هي الأخرى بفصائلها الثلاثة من أزمات عميقة، خربت بيت أعمدتها المركزية: الناصرية والبعث والقوميين العرب، وغيرت معالمها في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن والسودان…

وإذا كانت هناك نماذج أخرى لم نتطرق إليها، نظرا لكثرتها، فما يجب أن نتوقف عنده هو أن النظام الشمولي فشل في تحقيق وجوده، وخلّف وراءه جراحات لم تندمل بعد، سواء باسم الرأسمالية أو الاشتراكية أوالدينية.

واليوم، نعيش انهيار هذا العالم ونواجه ما تبقى منه من أفكار وتيارات، في إيران وأفغانستان والسودان، من دون آفاق عالم رحب، ينقذ الإنسانية من حرب عالمية جديدة.

فأي جواب عن انتمائنا وعن شرعية وجودنا في ظل هذا الخراب؟ وما هو دور القوى الصاعدة في صناعة مشروع رؤية جديدة؟

لقد أسس تجربتنا الديمقراطية والتقدمية، ألمع المثقفين الذين كانت لديهم برامج واسعة تمس الثقافة والتعليم والتربية والاقتصاد، كان الهدف منها تكوينا شاملا لأبناء الشعب، تكوينا يمنح كل مواطن حق القراءة والكتابة، والسعي إلى خلق مدرسة وطنية قادرة على استيعاب كل الأطفال المغاربة القادرين على التعلم، ومحاربة الأمية.

هذا الانتماء، تعزز عبر إعطاء الأولوية للثقافة، بما يساعد على بناء صرح الثقافة الوطنية التقدمية والشعبية، والعمل على وقف كل أشكال التناقض المزعوم بين الأصالة والمعاصرة. وتعزز كذلك، بأخذ المسافة اللازمة من الجدال حول الإشكالات التي نستوردها من الشرق، وجميع التأويلات المضللة التي لا تخدم سوى الإيديولوجية الرجعية.

وإذا كانت كل حركة سياسية تستند على أسس فكرية تشكل المرجعية النظرية لممارستها، فهذا يستدعي (باختصار شديد) الوقوف فكريا وثقافيا على الحصيلة التاريخية للمصادر الأساسية التي اعتُبرت منارا للعديد من الطرق والأحزاب والحركات.

إن تاريخ الشعوب يشهد على أن “البيان الشيوعي” (الذي ألفه ماركس- إنجلز) شكل لزمن طويل كهرباء العمل لكل الحركة الشيوعية منذ منتصف القرن الماضي. كما أن دفيد ريكاردو وأدم سميث، شكلا الحجر الأساس للتوجه الليبرالي في الاقتصاد السياسي والعلوم السياسية، الذي قدسته ممارسات إيديولوجية وسياسية وحركات اجتماعية،في حين يرى البعض أن الأفغاني وعبده، شكلا نفس الشيء بالنسبة للمحافظين وحركاتهم الأصولية، خاصة فيما بعد مع طباعة ونشر “معالم في الطريق لسيد قطب” واعتباره مرجع مقدسا لـ”حركة الإخوان المسلمين” في الخمسينيات من القرن الماضي.

إنه النقاش الذي يغيب عن برامجنا التعليمية الثانوية منها والجامعية، وهو ما يسببه من جهل وحصار للتوعية الديمقراطية والتكوين الفكري.

إن الجواب عن أسئلة الانتماء، وعلى ضوء ما ذكرناه سلفا، يضعنا أمام ضرورة البحث عن قيم جديدة للحياة النضالية بعيدا عن تلك النماذج الكلاسيكية، التي باتت عاجزة عن وقف منابع الفوضى وبراثين العنف والإرهاب بكل أنواعه وأشكاله.

أما سؤال الشرعية، فينطلق من التراكم الايجابي لوجودنا السياسي والنضالي، وهو في نهاية المطاف، صراع ومسايرة للنضالات التي يمكن القيام بها في ميادين مختلفة، بعد تقييمنا لتجارب ومشاريع متعددة انطلاقا من ضروريات وطنية.

أخيرا، علينا أن نختار طريقنا بعقولنا، انطلاقا مما يجري في الخارج، وما يناسبنا في الداخل، مع الرفض الكلي لـ”وثنية” النماذج، مهما كانت قوة أتباعها ومهما كان وزنها الكمي أو الانتخابي. إن التاريخ علمنا أن المدرسة هي المعمل العلمي الوحيد الذي يصنع التجارب، وليس استغلال المساجد وأماكن العبادات. والمدرسة هي التي تشجع على الخلق والإبداع، وعلى نشر العلم والمعرفة وثقافة الديمقراطية والمساواة.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
المصطفى المريزق
-->