ممثلون للشعب.. ماقدّهم فيل زادوهم فيلة!

في ظرف أسبوعين، شغل البام الساحة السياسية بموقفين قويين، وأثار الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وحرك البرك الراكدة، وعرى على الوجوه الحقيقية لبرلمانيين، يتخفون وراء الشعارات الغليظة، للتغطية على حقيقتهم الانتهازية، واستمرائهموشرعنتهم للريع، الذي يتسابقون للظهور بمظهر المناهضين له ودعاة محاربته، لاجتثاته وطي صفحته في مغرب اليوم…

الموقف الأول، في يوم 24 يناير المنصرم، خرج البام ببلاغ يعلن عن قرار تنازل جميع نوابه، البالغ عددهم في مجلس النواب 102 نائبا، عن تعويضاتهم الشهرية، في الفترة الممتدة ما بين افتتاح الدورة التشريعية، وانتخاب رئيس مجلس النواب، وحدد مرجعية القرار في تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، على أساس الأجر والتعويض مقابل العمل، وبالتالي، فتعويضات النواب غير مستحقة إلا عند الشروع في أداء المهام البرلمانية، فيما يعلم الجميع أنه منذ اقتراع سابع أكتوبر إلى لحظة انتخاب الرئيس، كان مجلس النواب في حالة عطالة تامة.

القرار أثار الجدل، وفيما وجد ترحيبا قويا في الساحة السياسية، وفي فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي، تفاجأ الرأي العام بخرجات حزب الإخوان المسلمين بالمغرب، عبر عدد من قيادييهم إضافة إلى كتائبهم، لمناهضة القرار، بل ومحاولة الالتفاف عليه والاستهزاء منه، في عملية هروب إلى الأمام مكشوفة، إذ انفردت جريدة العدالة والتنمية الناطقة بلسان ابن كيران بالكشف عن تعليق للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران، في جلسة خاصة يقول فيه إن “البامخصو يرجع المقاعد ماشي التعويضات”، وهذا تناقض فج وبئيس مع تصريحاته السابقة، وتصريحات قيادييه، وتصريحات مؤسسات حزبه الرسمية، حول نزاهة العمليات الانتخابية لاستحقاق سابع أكتوبر، باستثناء إذا كان ابن كيران يتراجع عن أدبيات حزبه الرسمية في الموضوع، ويطعن في تلك التصريحات الرسمية السابقة، فهذا يتطلب من الداخلية فتح تحقيق في أقوال ابن كيران، تماما مثلما فعلت مع تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، بخصوص وفيات واد الشراط! نواب البيجيدي، بدورهم، والذين جعلهم القرار يركبهم السعار، فبدأوا يتناوبون على خرجات تبرر تمسكهم بالريع البرلماني، بمبرر عقدهم لقاءات مع المواطنين، حتى أضحى التواصل مع الناس بمثابة عمل يتطلب أجرة، بل وصل الأمر إلى الإدلاء بمبررات مضحكة، من قبيل النائبة إيمان المصباحي، التي دخلت القبة بريع لائحة الشباب، التي قالت إن النقاش الذي أثاره نواب حزب الأصالة والمعاصرة ومؤيدو قرارهم بإرجاع تعويضاتهم إلى الخزينة العامة للمملكة يعبر عن ”الحقد على العمل البرلماني”!؟

الموقف الثاني، لم يمر على الأول أكثر من أسبوع، وبالضبط يوم سادس فبراير الجاري، خرج البامبمقترح قانون ينص على تعديل القانون الحالي لتقاعد البرلمانيين، من قبيل مساهمة الدولة والسن القانوني للتقاعد ومبلغ التقاعد، على أساس حذف مساهمات الدولة في المعاش احتساب المعاش في ألف درهم شهريا عن كل سنة تشريعية كاملة، وعدم الاستفادة من المعاش إلا بعد بلوغ سن التقاعد القانوني، وتوقيف صرف المعاش البرلماني في حالة الوفاة، إضافة إلى تفاصيل أخرى باتت معروفة، وأضحت تتردد على كل لسان، لأن المقترح، في حد ذاته، يمكن اعتباره نوعا من الإجابة على واحد من الانشغالات الأساسية للمغاربة، ويتعلق بمعاشات البرلمانيين، بل وحتى الوزراء. وبعد ذلك، يمكن الاختلاف في تقييم تلك الإجابة، إذ هناك من يعتبر أن الأهم هو إلغاء المعاشات بالمرة، باعتبارها ريعا سياسيا من موروثات العهود السابقة، التي طوى المغرب صفحاتها في مبادرة هيئة الإنصاف والمصالحة، ويفترض أن يجري الكف عن الزعم أن العمل البرلماني هو مهنة ووظيفة، مثلما تحتاج إلى أجر، تحتاج أيضا إلى معاش! والحال أن العمل البرلماني هو مهمة انتخابية، محكومة بظرفية معينة، قد تكون خمس سنوات أو أقل أو أكثر، لكنه عمل ينتهي بانتهاء المهمة البرلمانية ذات الأساس الانتخابي الانتدابي، وبانتهائها ينتهي التعويض الشهري عنها، وانتهى الأمر، بلا معاش ولا معاشة ولا تعيش ولا عياشة!!! وسواء تعلق الأمر بالبرلماني أو بالوزير، ولو أن معاشات البرلمانيين موضوعة بقانون منظم لها، في حين أن معاشات الوزراء رغم أن لها نظام، لكنها غير منظمة بقانون، إذ تتطلب من الوزير السابق، سنويا، أن يدلي بما يمكن اعتباره مجازا “شهادة احتياج”، إذا أراد الاستفادة من المعاش، يثبت فيها أن لا ممتلكات لديه أو أي مدخول آخر، والحجة في هذا المعاش، تعود إلى حكاية تقول إن الملك الراحل الحسن الثاني اكتشف يوما أن وزيرا يعيش أزمة مالية خانقة، فقرر بعدها، بظهير ملكي، تقديم معاش للوزراء.

والحال أن هذه الفترة طويت، ووزراء اليوم ليسوا في حاجة، بل حتى ولو أصيبوا بحاجة، فلا يجب أن يتميزوا عن ملايين المغاربة الذين يعيشون العوز والحاجة والبؤس والعطالة…

عموما، تبقى مبادرة البام، اليوم، هي المقاربة الأكثر جدارة لوضع حد لريع سياسي عمّر كثيرا، واستنزف الكثير من أموال الشعب، من قبل العديد من “ممثلي الشعب”، الذين يجعلون مصالح الناس في آخر أجنداتهم، وفي الأولوية البحث عن تحقيق منافع وتكسّب وتربّح، إذ اجتهدوا وجدوا وكدوا حتى حققوا زيادة مهمة جدا في تعويضاتهم، ثم بدأوا يجدون ويجتهدون في سعي حثيث إلى توريث معاشاتاتهم إلى أسرهم، على غرار المثل “ما قدو فيل زادوه فيلة”!!!

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->