منير بنصالح: 20 فبراير فرصة تخلفت عنها القوى التقدمية واستغلها الإسلاميون

منير بنصالح: 20 فبراير فرصة تخلفت عنها القوى التقدمية واستغلها الإسلاميون

تحل اليوم الاثنين الذكرى السادسة لانطلاق أولى مظاهرات حركة 20 فبراير، التي عمت أغلبية مناطق البلاد، رافعة شعار إسقاط الفساد والاستبداد… شكلت الحركة علامة فارقة في الحياة السياسية ببلادنا، أثمرت حلحلة الوضع المجتمعي العام الذي كان رائدا، وتحققت العديد من الإصلاحات الدستورية والسياسية، لكن وهج الحركة آل إلى الأفول… بهذه المناسبة، نجري هذا الحوار مع منير بنصالح أحد نشطاء الحراك ومنسق حركة “أنفاس الديمرقاطية”، لنطرح معه مختلف القضايا المرتبطة بحركة 20 فبراير….

ست سنوات مرت على حركة شباب 20 فبراير، كيف يمكنك تقييم مسار الحركة؟

عموما الكثير من يربط حركة 20 فبراير بما وقع في المنطقة، على الأقل على مستوى التحليل، لكن يجب التسطير على أن المطالب كانت متقدمة، عن تلك التي رفعت في المناطق الأخرى، بالرغم من أن دوافع الحراك كانت مشتركة، وسماتها متشابهة، بينما اختلفت طرق التعامل والنسق العام في كل بلد مع هذا الحراك، هو ما أفرز تبعات مختلفة فيما بعد.

مغربيا أظن أن الحراك استفاد من كون المكونات التي ساهمت فيه، لها تاريخ ورصيد نضالي لم يكن للحركات الاحتجاجية الأخرى، نحن معتادون على تنظيم الوقفات والاحتجاجات والمطالب والتفاوض، بمعنى كان هناك نوع من النضج في الشارع، قابله نوع من النضج من قبل الملكية، لأنها لعبت دور، بحيث لم يكن هناك تعنيف أو استعمال مفرط للقوة إلا في بعض الحالات المعزولة، ولذلك أقول إن الحراك في المغرب كان حراكا مغربيا خالصا بمعزل عن “المنشطات الإقليمية”.

إلا أن هذا لم يعف الحركة من الوقوع في إشكاليتين ساهمتا بشكل كبير في أفولها ودون تحقيقها لمكاسب أكثر.

الإشكال الأول، يتمثل في من يحمل فكرة الحراك، بالمعنى الماركسي ما هي الأداة الثورية التي كانت تحمل فكرة الحراك؟ مع الأسف لم تكن.

في فترات معينة، كانت لدينا أدوات حزبية قوية نقف أمام النظام، استنزفت وضعّفت قوتها وارتباطاتها بالشارع على مراحل، بداية من التسعينيات، دستور 96 ، حكومة اليوسفي، هيئة الإنصاف والمصالحة، انضمام جزء كبير من النخب الى التدبير  الدولاتي أي إلى مراكز القرار في الدولة، فربما لو كان الحراك في فترة التسعينيات كان من الممكن أن تكون هاته القوى أي الأحزاب حاملة للمشروع ولها أدوات المفاوضة وأدوات ضبط الشارع، في حين أن ما وقع في 2011، هو أن القوى التقدمية مشثتة بين ملل ونحل، لا وجود ولا أثر لها،  في التنظيم الجماهيري.

فالدعوة إلى النزول إلى الشارع تقتضي أن تتوفر هاته التنظيمات على القوة لضبطه، وقوة المفاوضة وطرح البديل، وهو ما لم يكن في 2011، بالتالي لم يكن بإمكانها حمل زخم كل مطالب الحراك وتحقيق أكبر عدد من المكاسب السياسية الاقتصادية والاجتماعية.

الإشكال الثاني، من أسباب أفول الحركة أو عدم تحقيق كافة مطالبها، هو وجود معسكرين للثورة المضادة، فمن جهة هناك النظام القائم، ومن جهة ثانية الإسلاميين، يعني كان أمام الحراك خصمين لهما قوة.

إلى أي حدّ ترجمت التعديلات الدستورية، مطالب الحركة؟

هناك ملاحظة أعتبرها أساسية: ما تحقق في 2011، في تقديري، غير كاف ولا يرقى إلى الطموحات، لكن بالمقابل، الإصلاحات التي أنجزت في 2011، هي أكثر تقدما من ميزان القوى آنذاك، الذي لم يكن في صالح الحراك، (عدديا لم يتجاوز المتظاهرون 300 ألف تقريبا أي 1% من المغاربة).

بالرغم من ذلك، كان بإمكان الحراك تحقيق مكاسب أكثر، لولا ظروف معينة، بينها أخطاء ذاتية للحركة، التي لم تكن تعرف “ما تريد” كانت تعرف فقط “ما لا تريد”، لأنه في حالة عدم التوفر على بديل، ويطرح الأخر مجموعة من البدائل الممكنة، تكون مجبرا على التعامل معه. كما أن الطبقة المتوسطة لم تلعب دورها كاملا، وكانت مترددة في لحظات معينة.

والإشكال الحقيقي، يتمثل في غياب تنظيم بآلية ديمقراطية، من المفروض أن يضبط التفاوض في المؤسسات أو في الشارع، لكن حركة 20 فبراير تخندقت في جهة معينة مع فصيل معين، من خلال نقل بعض الاحتجاجات من مظهرها المركزي، الذي يعطي نوعا من الرمزية، إلى مظاهرات هامشية في أحياء سكنية، كما سقطت في مجموعة من الأخطاء التي أدت إلى انسحاب مجموعة من نشطائها، وصولا إلى الأفول.

لكنكم كنتم من المدافعين عن انخراط جماعة العدل والإحسان في الحركة، كيف تقيمون هذه الخطوة الآن؟

في الأول كانت خطوة صحيحة، وفي البداية لم تكن حركة بقدر ما كانت نداء للتغيير، وحين نتكلم عن نداء للتغيير لا يمكن أن نقصي طرفا من أطراف الشعب، إذن كان من الصعب إقصاء العدل والإحسان أو حركات إسلامية أخرى أو أطراف أخرى، قبل النزول إلى الشارع، كان المهم هو تحقيق الالتفاف بين القوى المناضلة حول المطالب والنداء.

من جهة ثانية، كانت هناك أطراف أخرى تعتبر نفسها أو يخيّل إليها أنها في هامش الممارسة السياسية بالمغرب، فالهدف كان أن تضعها وسط التفاعل السياسي، ويمكن خلق في داخلها اختراقات معينة، وتحول من طرق تفكيرها، وأظن أننا نجحنا جزئيا في إحداث نوع من الخلخلة في بعض المفاهيم داخل جماعة العدل والإحسان، أخص بالذكر ما قيل داخلهم حول الدولة المدنية، وما قيل حول العمل مع اليسار.

إذن أين كان الخطأ؟ بالنسبة لي الخطأ كان في أن أطراف من اليسار تعاملت بانتهازية مع الموضوع، وتعاملت مع القوة العددية بنوع من المقايضة البراغماتية: الشعارات مقابل عدد المتظاهرين، وهذه الانتهازية دفعت بالحراك إلى تطبيق أجندة فصيل واحد هو العدل والإحسان، بتحويل الحراك من رمزيته المركزية إلى الأحياء سواء في الدارالبيضاء أو الرباط أو طنجة أو مراكش، في حين أن حراكا من هذا النوع، يكون في ساحات ذات رمزية، وليس في أحياء سكنية بعيدة عن “الاكورا” السياسية.

لكن الحركة كانت تعددية، ماذا وقع للوصول إلى هيمنة فصيل معين؟

في المغرب كان عندنا ما يمكن أن نسميه نواة  أولية فيها مجموعة من المناضلين الشباب، أغلبيتهم تنتمي  أو كانت تنتمي أو تدور في فلك إطارات سياسية أو جمعوية أو حقوقية، في الحركات التقدمية، ناس مارسوا في مجموعة من المحطات النضالية، أي كانت ثقة معينة بينهم، يعرفون بعضهم البعض، ولو أنهم من تنظيمات مختلفة، وعندهم مشاكل داخلها، وهذا من بين الأشياء التي لم تكن تقال آنذاك، كون هؤلاء الشباب عندهم مشاكل مع تنظيماتهم، وبالتالي حراك 20 فبراير كان متنفسا للسخط على التنظيمات، ما وقع فيما بعد، هو عدم قدرة مجموعة من ما يسمى بالقيادات داخل 20 فبراير، أن تتفق على حد أدنى لكينونة أو ماهية التنظيم الذي يمكن إن نراكم به من بعد، بالتالي استمر الحراك بدون مخطط واضح الأفق “خليه يبقى غادي وماشي مشكل فينما حبس”، وهو ما انعكس على طريقة تفاعله مع دعوة لجنة المانوني المكلفة بإعداد الدستور.

هل يمكن القول إن عدم الاستجابة لدعوة لجنة المانوني كان خطأ؟

أنا اعتبره خطأ، لأنه لم يكن للحراك أي بديل، ربما لو كان لديه مشروع بديل، كنا سنتفق، لكن الحراك لم يكن يتوفر على بديل، ولم تكن لديه القوة لفرض ما يريد بطريقة أخرى، لذلك يبقى البديل الممكن، هو تحقيق ما أمكن من المكتسبات داخل مسلسل التفاوض.

والحصيلة إخراج وثيقة دستورية مفتوحة على التأويل، واكبها فراغ تنظيمي على مستوى حركة 20 فبراير والتنظيمات السياسية الداعمة لها، لتصريفها. ما فتح المجال لقوى الثورة المضادة أي لتحالف ما يسمى بالمنتفعين داخل الدولة وقوى الإسلاميين ممثلة في حزب العدالة والتنمية، لتدبير مرحلة ما بعد 2011 وإغلاق قوس احتجاجات 20 فبراير، وهو ما تجلى في الردة التي عرفها تنزيل القوانين التنظيمية.

هل هذه هي أسباب الردة أم إن هناك عناصر أخرى؟

نعم فبالإضافة الى ضعف النخب التي تختلف خصائصها عن نخب ما بعد الاستقلال بحيث تفتقر لتراكم قيادات الحركة الوطنية، نخب رأسمالها الرمزي مبني على الشعبوية، وهمّها تحقيق مكاسب للأتباع من المشاركة في الانتخابات والحكومة، عن طريق التوظيف، وهو ما يحيل على أزمة إنتاج النخب.

أيضا غياب مشروع سياسي للقوى التقدمية، وهي قوى لم تدرك بعد حجمها الحقيقي بكونها ضعيفة وبأنها قوى متخلفة ومتكلسة سياسيا وتنظيميا، ومع ذلك تحتفظ بنفس آليات التنظيم، وبنفس الأشخاص، والدليل إذا قمنا بدراسة سوسيولوجية سيتبين أن من بين أسباب نفور شباب 20 فبراير من التنظيم السياسي، هو بعض قيادات التنظيمات التي دعمت الحراك.

في نظرك، ماهي الحلول الممكنة لتجاوز هذه الوضعية؟

بدون ممارسة جلد الذات أو النقد الذاتي المرضي، يجب على القوى التقدمية وأحزاب اليسار، القيام بنقد مفاده أننا نطالب النظام بالديمقراطية ونحن لسنا ديمقراطيين، نطالب بتكافؤ الفرص ونحن لا نحققه داخل تنظيماتنا، نطالب بالعديد من الأشياء نحن لسنا قادرين على تطبيقها داخل تنظيماتنا.

يجب كذلك التفكير في تراكم عبر إطار منفتح على جميع القوى الحية الموجودة بالساحة السياسية، إطار حامل لفكر معين بمشروع قابل للتحقيق وبأشياء واقعية، وبتواضع نضالي كبير، بدون هلاميات وأحلام وأوهام “ديال غادي نجيبو 7 مليون الأصوات، ومورانا الجماهير”.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
آخر ساعة
-->