ابن كيران و"التجربة الدنماركية"

ابن كيران و”التجربة الدنماركية”

لم يعد موضوع تشكيل الحكومة الجديدة محط تشويق وإثارة ومحل ترقب وانتظار، ليس فقط بفعل مرور الوقت، وإنما لأن الفاعل الأساسي، رئيس الحكومة المكلف، باتت صورته لدى الناس مرتبطة بالجلوس في البيت، بالفوقية والتسبيح، وعندما يخرج من البيت، فإلى إقامة مجاورة، للاجتماع مع إخوانه في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، وفي كل مرة تحاصره الصحافة أثناء الخروج، يكتفي بالقول: “ليس هنالك أي جديد بخصوص تشكيل الحكومة”، وفي آخر خروج كان مساء السبت المنصرم، ذكر أنه ينتظر عودة رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، من الجولة الأفريقية، التي يرافق فيها الملك محمد السادس، للحسم في موضوع تشكيل الحكومة، ثم قال “الله يجيبو على خير”.

لقد انكشفت الأمور تماما، وما عاد مجال لكتائب البيجيدي ولأذرعها الإعلامية الإلكترونية والورقية، لنشر التضليل بين الناس حول المسؤولية على وضعية “البلوكاج” الحكومي، إذ أضحى جليا أن عبد الإله ابن كيران يتحمل المسؤولية الأساسية، بسبب طريقته في تدبير مشاورات تشكيل الحكومة، وأسلوبه في “الحوار” مع شركائه المفترضين…

لقد ركب الرجل الوهم بسبب قراءة خاطئة لنتائج الانتخابات، جعلته يعتقد ويتصرف كحزب أغلبي، حاز الأغلبية الكافية لتكوين الحكومة بمفرده، وأن من سيدخلهم الحكومة فبـ”فضل” منه، ولذلك بدأ يملي شروطه، ويصدر أوامره، ويُقرّب ويدحي ويهجو ويمدح ويشتم ثم يشتم، ويفصّل الخريطة السياسية على مقاسه، فالجميع، من أجل عيون الحكومة، سيأتمر بأوامره، ونسي أن “اللي كيحسببززززافكيشيط لو”، إذ بعدما كان قادة الأحزاب يتقاطرون على بيته، ويخطبون ودّه، انفضّوا من حوله، حتى بات يعيش، اليوم، عزلة حقيقية…

“البلوكاج” الحكومي، كما ذهب إلى ذلك امحمد جبرون، القيادي بحركة التوحيد والإصلاح والعضو بحزب العدالة والتنمية، مرتبط، بدرجة أولى، بسوء تقدير للموقف من طرف الحزب الفائز بالانتخابات، الذي قال جبرون، في تصريح لإذاعة “كاب راديو” بطنجة، إنه كانت عنده حسابات مع الأيام ظهرت أنها ليست سليمة.

ولعل أبرز هذه الحسابات تتمثل في سوء تقدير للنتائج الانتخابية، الذي جعله يتوهم أن تصدّره للنتائج يعطيه “الحق” في أن يفعل ما يريد في تشكيل الحكومة، فخرج الأمين العام للعدالة والتنمية يتباهى، ويستقبل الوفود، ويطلق ضحكاته المجلجلة، قبل أن يبلعها وهو رئيس حكومة مكلف، عندما بدأ القوم ينفضون عنه لفضاضته، فكان ذلك إيذانا بحملة هوجاء من قبل كتائب البيجيدي، وجرائده المعلنة والمبطنة، و”يساريي الطلب”، عن “المؤامرة”، التي تحاك ضده، وجعلوا منه “هالة مقدسة”، وكأنه “الممثل الشرعي والوحيد للشعب المغربي”، وشرعوا يخبطون خبط عشواء لا تبقي ولا تذر، ومنعوا الكلام عن الفصل 47 من الدستور، وكل من اقترب منه أو حاول الاجتهاد في تأويله نُعت بأقذع الصفات وألصقوا به كل الاتهامات، التي تعكس حجم الرعب الوجودي، الذي يعيشه هؤلاء خوفا من ضياع رئاسة الحكومة من بين يدي الإخوان المسلمين بالمغرب…

لقد أقفلوا، بذلك، كل أبواب الاجتهاد والحوار السياسيين، للتغطية على سوء فهم وتقدير لحلقات المسلسل الانتخابي، في علاقته بالممارسة الديمقراطية، الشيء الذي دعا المفكر الإسلامي امحمد جبرون إلى الإقرار بأن الصناديق الانتخابية ليست حاسمة في تشكيل الحكومة،ليجدد التأكيدعلى أن حسابات حزب العدالة والتنمية، بعد فوزه بالانتخابات، جعلته الآن في وضع حرج،مبرزا أن البيجيدي لو كان دبر المشاورات بطريقة مختلفة، لكان في وضع أفضل من الذي عليه الآن،مشددا على أن سبب ذلك كله هو سوء تدبير وسوء قراءة سياسية للمشهد السياسي المغربي من طرف حزب العدالة والتنمية وعلى رأسه رئيس الحكومة المكلف.

وفي هذا الصدد، يتداول الفايسبوكيون”التجربة الدنماركية”، إذ عرفت البلاد انتخابات تشريعية، السنة الماضية، حصل فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي كان هو الحاكم خلال الولاية السابقة، على المرتبة الأولى، لكنه لم ينجح في حيازة رئاسة الحكومة، ولا في المشاركة في الأغلبية الحكومية، بالرغم من تصدّره للانتخابات التشريعية، والسبب: لأنه فشل في جمع أغلبية برلمانية، ما جعله يتموقع، اليوم، في المعارضة، إذ إن كل الأحزاب الدنماركية الممثلة في البرلمان رفضت التحالف معه، وفي المقابل نجح حزب “الفينسترا”، الذي جاء في المركز الثالث، في جمع هذه الأغلبية، وهي الأغلبية التي خوّلت له تشكيل الحكومة وأعطته رئاستها.

ويعلق الفايسبوكيون على التجربة بالقول إن تشكيل الحكومة من طرف حزب حل ثالثا في الانتخابات التشريعية، لم ترافقه أصوات حادة، وتهجمات شعواء، نسيت أنها، بممارستها تلك، حاولت فرض تصورها وفهمها القاصر للديمقراطية وللممارسة السياسية، وكل ما في جعبتها هو الحديث عن احترام الإرادة الشعبية…

فهل، بعد كل ذلك، مازالت لديهم طاقة لتضليل الناس عن المسؤولية الحقيقية وراء النفق، الذي وصلته مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة؟ ابن كيران ينتظر، اليوم، عودة عزيز أخنوش، الذي يرافق الملك في جولته الإفريقية، إلى البلاد، ويدعو له “الله يجيبو على خير”. جميل، لكن الأجمل هو أن يعود ابن كيران إلى وعيه، ويراجع مواقفه، ووضعه في الحزب وفي المشهد السياسي، قبل أن يأتي من يقول له “سير الله يجيبك على خير”…

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn
أحمد نشاطي
-->